في الوقت الذي تسعى فيه
سوريا لبناء مرحلة جديدة بعد انهيار النظام السابق، تطفو على السطح ملفات معقدة تتقاطع فيها العدالة الانتقالية مع الحسابات الاستخباراتية الدولية. وتأتي قضية اللواء السابق بسام الحسن لتعكس أبعاد هذا التقاطع المعقد، حيث تتشابك مطالب المحاسبة على جرائم الحرب مع مساعي البحث عن الحقيقة في ملف المفقودين الأجانب، وعلى رأسهم الصحفي الأميركي أوستن تايس.
صفقة سرية لحماية لواء متورط في جرائم حرب
وكشف تحقيق صحفي مشترك أعدته شبكة BBC بالتعاون مع الإذاعة الوطنية العامة الأميركية عن تفاصيل صفقة أمنية سرية تُوفر الحماية والتمويل للواء السوري السابق بسام الحسن، المقيم حالياً في
لبنان، رغم كونه مطلوباً لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وتورطه المباشر في إدارة برنامج الأسلحة الكيميائية السوري واختطاف الصحفي الأميركي أوستن تايس.
مسار الفرار والترتيبات الأمنية في لبنان
كان بسام الحسن يُعد أحد أبرز رجال الظل في نظام
بشار الأسد ومستشاراً رفيع المستوى لديه، حيث
أشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية المشتبه في استخدامه ضد المدنيين، مثل هجمات الغوطة عام 2013. وعقب انهيار النظام السوري في كانون الاول 2024 ، فرّ الحسن في البداية إلى
إيران، قبل أن تنتهي مفاوضات شاركت فيها أطراف اميركية ولبنانية وإيرانية بنقله إلى الأراضي
اللبنانية، ليقيم هناك تحت رعاية وموافقة مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية بالتنسيق مع
المديرية العامة للأمن العام اللبناني.
مقابل الحماية: أسرار الأسلحة الكيميائية واختطاف تايس
وفقاً لسجلات اجتماعات سرية اطلعت عليها بي بي سي ومصادر مطلعة، تم الاتفاق في ربيع عام 2025 على منح الحسن الإقامة والحماية وتغطية نفقاته المعيشية عبر أطراف ثالثة لتجنب تتبع الأموال الموجهة إليه، كون يخضع لعقوبات أميركية . جاء ذلك في مقابل تقديم معلومات استخباراتية حيوية تشمل تقديم تفاصيل حول عملية اختطاف الصحفي أوستن تايس عام 2012 ومصيره، حيث كشفت السجلات أن الحسن كان ضمن التسلسل القيادي المباشر لتلك العملية، إضافة إلى كشف معلومات استخباراتية حول برنامج سوريا للأسلحة الكيميائية وعمق العلاقات العسكرية بين دمشق وطهران.
شكوك حول صحة المعلومات وغياب التقدم
رغم التسهيلات والتمويل المقدمين للحسن ولشخصيات أخرى سابقة في النظام تعاونت مع السلطات الأميركية، تشير المصادر إلى عدم تحقيق تقدم ملموس في ملف تايس. وكان الحسن قد أدلى برواية مفادها أن تايس أُعدم بأمر مباشر من
الأسد وحدد موقعاً لرفاته، إلا أن عمليات البحث والتنقيب التي أُجريت لم تسفر عن أي نتائج، مما أثار شكوكاً قوية حول صحة ادعاءاته أو استغلاله للاتفاق لإطالة أمد مكاسبه المالية والأمنية.
المواقف الرسمية وغضب العائلة
أثار هذا الترتيب ردود فعل متباينة، حيث أكد مسؤولون في الحكومة
السورية الجديدة المطالبة الرسمية باستعادة بسام الحسن لمحاكمته داخل سوريا، إلا أن الإصرار الأميركي على بقائه في لبنان حال دون ذلك.
ومن جانبها، انتقدت عائلة أوستن تايس هذا الترتيب بشدة، واصفة استخدام أموال دافعي الضرائب
الأميركيين لتوفير حياة مريحة لمجرم حرب متورط في هجمات كيميائية وفي إخفاء نجلهم بأنه أمر مهين ومساعدة على الإفلات من العقاب. أما على صعيد المواقف الرسمية للجهات المعنية، فقد امتنعت المديرية العامة للأمن العام في لبنان عن التعليق، بينما رفض مكتب التحقيقات الفيدرالي التعليق على تفاصيل الاتفاق، مكتفياً بالتأكيد على أن الأولوية تبقى لكشف الحقائق المتعلقة بقضية تايس وعودته. وفي ذات السياق، أكد مسؤول استخباراتي لبناني سابق وجود تنسيق وترتيبات أمنية مع الجانب الأميركي في قضايا مشتركة، مع نفيه
العلم بوجود مدفوعات محددة ترتبط بقضية تايس.
شبكة المسؤولين الفارين إلى الخارج
لم يكن الحسن الشخصية الوحيدة المعنية بالقضية التي وجدت ملاذاً آخراً، بل كشف التحقيق عن فرار مسؤولين آخرين مرتبطين باحتجاز تايس، من بينهم محمد مخلوف، المرؤوس السابق للحسن والذي يقيم حالياً في لبنان، وصقر رستم، ابن شقيق الحسن والمتورط في الاختطاف والذي يتنقل بين الإمارات ولبنان،بالإضافة إلى غسان نصور، الجنرال السابق الذي كان يترأس السجن الذي احتُجز فيه تايس ويقيم حالياً مع عائلته في الإمارات.
ثمن الحقيقة أم إفلات من العقاب؟
تفتح هذه التسريبات والأسرار الباب أمام تساؤلات ملحة حول حدود المناورة الاستخباراتية عندما تتصادم مع العدالة؛ فبينما تبرر أجهزة الأمن حمايتها لرموز النظام السابق بالبحث عن خيوط وأدلة لحل قضايا معقدة، يرى الضحايا وذووهم أن مثل هذه الصفقات تُوفر ملاذاً آمناً لمجرمي الحرب وتُكرّس سياسة الإفلات من العقاب. وبين إصرار دمشق
على استعادة المطلوبين وصمت الجهات الرسمية المعنية، تبقى قضية بسام الحسن نموذجاً شاخصاً للثمن الباهظ الذي تدفعه الحقيقة على مذبح الصفقات الأمنية.