في كيبيك الكندية لا يحتاج الناخب إلى إسقاط الحكومة في الشارع، ولا إلى انتظار تسوية بين الزعماء، ولا إلى سنوات طويلة من الأزمات حتى يقول كلمته. يذهب إلى صندوق الاقتراع، يختار، ثم يترك للنتيجة أن تتكلم.
وهذا تحديداً ما أعادته الانتخابات الأخيرة إلى الواجهة. فحزب "التحالف من أجل مستقبل كيبيك"، الذي حكم
المقاطعة ثماني سنوات، وانتقل من 90 مقعداً بعد انتخابات 2022 إلى 79 مقعداً عند بدء الانتخابات الأخيرة، خرج من الاقتراع من دون نائب واحد. أما رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها كريستين فريشيت، فأقرت بالنتيجة وأعلنت أنها تتحمل مسؤوليتها، قبل أن تستقيل من قيادة "الحزب" في اليوم التالي.
قد تبدو الصورة للوهلة الأولى بعيدة عن
لبنان، لكنها تطرح سؤالاً يستحق التوقف عنده: ماذا يعني أن يكون صندوق الاقتراع أداة فعلية للمحاسبة؟
في كيبيك، لا تعني النتيجة بالضرورة أن الناخب كان يصوّت على ملف واحد أو أنه منح تفويضاً مطلقاً للبديل. فالحزب الكيبيكي، الذي تصدّر الانتخابات، حصل على 59 مقعداً من أصل 127، أي أقل من الغالبية المطلوبة، وبنحو 28 في المئة من الأصوات. وهذا يعني أن النتيجة نفسها جاءت من مشهد انتخابي متعدد، وأن الفوز الانتخابي لا يساوي بالضرورة إجماعاً شعبياً على كل ما يطرحه الحزب الفائز.
لكن الرسالة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الناخب استطاع أن يغيّر السلطة من خلال الانتخابات، وأن الحزب الذي كان في الحكم وجد نفسه خارج الجمعية الوطنية. وهنا بالتحديد تبدأ المقارنة بين التجربتين الكيبيكية واللبنانية.
ليس صحيحاً أن الناخب اللبناني لا يحاسب. فقد شهد لبنان في محطات مختلفة تبدلات انتخابية، وسقوط شخصيات ولوائح، وتغييراً في موازين القوى. لكن المشكلة تكمن في أن المسؤولية السياسية في لبنان ليست دائماً واضحة بما يكفي كي تصبح قابلة للمحاسبة.
فالناخب اللبناني لا يتعامل فقط مع برنامج حكومي أو حصيلة أربع سنوات من الحكم. هناك الانتماء الطائفي، والزعامة السياسية، والتحالفات، والحساسيات المناطقية، وطبيعة النظام الانتخابي، ثم هناك حكومات تتشكل من قوى متعددة ومتناقضة أحياناً، بحيث يصبح السؤال البسيط عن مسؤولية من أوصل الناخب اللبناني إلى القبول الطوعي بطبقة من السياسيين الفاسدين والذين يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من مسؤولية مباشرة عمّا حلّ بلبنان أقّله منذ العام 2005 حتى اليوم، أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ومن يحاسب الناخب عندما يكون الوزير ممثلاً لقوة سياسية، والحكومة ائتلافاً بين قوى عدة، والقرار نتيجة تسوية جماعية؟ وكيف يمكن للناخب أن يعاقب طرفاً سياسياً على قرار شارك فيه طرف آخر، ثم يعود الطرفان نفسيهما إلى خوض الانتخابات ضمن تحالف جديد؟ وهنا لا تعود المشكلة في الناخب وحده.
المحاسبة تحتاج إلى مسؤولية واضحة، والمسؤولية تحتاج إلى نظام يجعلها قابلة للقياس. ولعل هذا هو الفارق الأهم الذي تكشفه التجربة الكيبيكية. فالديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء الانتخابات، بل على وجود علاقة مفهومة بين من يحكم ومن يُحاسَب ومن يملك القدرة على تغيير النتيجة.
في لبنان، كثيراً ما يتحول
النقاش بعد الانتخابات إلى سؤال: من ربح، ومن خسر، ومن زادت كتلته، ومن تراجع؟ بينما يُفترض أن يكون السؤال أيضاً: ماذا فعل هذا النائب أو الحزب أو الفريق السياسي خلال السنوات السابقة؟
هل تحسنت الخدمات، هل نُفذت الوعود، هل تحسن الاقتصاد، هل حُميت المؤسسات، هل اتخذت القرارات المطلوبة في الوقت المناسب، وهل يستطيع المواطن أن يربط بين الأداء والنتيجة
الانتخابية؟
هذه الأسئلة لا تعني تحميل الناخب مسؤولية النظام، ولا تعني أن الناخب الكيبيكي يمارس الخيار السياسي بطريقة أفضل من اللبناني. فكل مجتمع يصوّت ضمن تاريخه وتركيبته ومصالحه، وكل نظام انتخابي ينتج آليات مختلفة للمحاسبة.
لكن التجربة الكيبيكية تذكّر اللبنانيين بأن صندوق الاقتراع يفقد جزءاً من قوته عندما لا يعرف المواطن بوضوح من يجب أن يحاسب على ماذا.
الديمقراطية، في نهاية المطاف، ليست مجرد يوم انتخابي. هي علاقة مستمرة بين المواطن والسلطة وفق آلية واضحة وشفافة كالآتي: انتخاب، ثم مراقبة، ثم محاسبة، ثم تجديد للتفويض أو سحبه.
ومن هنا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه لبنان على نفسه ليس: هل الناخب اللبناني يحاسب؟ بل: هل النظام السياسي اللبناني يعطي الناخب الأدوات التي تمكّنه من أن يحاسب فعلاً؟
فالمعادلة لا تكتمل بناخب يريد المحاسبة فقط، ولا بنظام يتحدث عن الديمقراطية فقط. المطلوب أن يلتقي الاثنان: ناخب يحاسب، ونظام يجعل لصوته نتيجة واضحة. وما دامت التركيبة السياسية قائمة على أساس أحزاب سياسية طائفية، باستثناء حزب أو حزبين لم يعد لهما تأثير حضوري، فإن الناخب اللبناني سيبقى أسير شعارات طائفية وايديولوجية لا تسمح له بإحداث التغيير المطلوب، خصوصًا أن تجربة انتخابات 2022، التي أتت بعدد من النواب، الذين سموا زورًا "تغييرين" أثبتت أن لبنان لا يزال محكومًا بذهنية من الصعب تغييرها في المدى المنظور.