يتزامن طَيّ صفحة السنة الأولى من عمر الفراغ الرئاسي، مع تعطيل إدارات الدولة كافة، ليس احتفالاً بهذا "الذكرى"، وإنما احياءً للذكرى الـ 15 ليوم المقاومة والتحرير!
كثرت الألقاب وتبدّلت بين الرئاسات الثلاث؛ من عهد الفراغ الى عهد التمديد الى عهد تصريف الأعمال، فالعهود تتبدل ، والأزمات تتكرر، والناس تحيا وتموت في كنف دولة الأنا. وبين هذه التقلبات في مواقع الدولة، مازال المواطن منكبّاً على مشاغله ومشاكله الحياتية اليومية بغض النظر عن المرحلة التي يمر بها نظام دولته، وكأنه انفصل عن دولته وأصبح يعيش ضمن دولة من صنعه، تاركاً الطبقة السياسية تختار شعاراً لدولة خلت من مواطنيها. فرئيسُ أي دولة ليس هو الدولة، بل هو رمزها وهو الذي يمثلها في كافة المحافل الدولية.
الفراغ الرئاسي الذي يعيشه لبنان، ليس الأول، إنه الثالث لكن الأطول مدة "مبدئياً"، فالفراغ الأول كان عام 1988، أما الثاني ففي العام 2007 ، وقد تكلل بالعديد من الأحداث المحلية والاقليمية والدولية بحيث أصبح وقع كلمة الفراغ شبه عادي على مسامع المواطنين وأهل السياسة، لا بل يبدو وكأن الجميع تعايش مع هذا الواقع رغم مساوئه الدستورية والسياسية والوطنية.
وفي استرجاع سريع لأحداث الفترة الفاصلة من 25 أيار 2014 إلى 25 أيار 2015، يمكن تسجيل الآتي:
التمديد الثاني لمجلس النواب،
التمديد الثاني لمدير مخابرات الجيش،
التمديد لأمين عام المجلس الأعلى للدفاع،
التجديد للجنة الرقابة على المصارف،
التجديد لمدير عام الاثار،
اعطاء افادات لطلاب الشهادات الرسمية،
تعيين أمين عام جديد مجلس الوزراء،
انعقاد مجلس النواب لمرة واحدة فقط في تشرين الأول من العام 2014،
تطبيق قانون سير جديد وحديث،
انطلاق الحوار بين "حزب الله" و"تيار المستقبل"،
بدء التواصل بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني"،
تسلم لبنان الدفعة الأولى من الأسلحة الفرنسية المقدمة ضمن هبة الـ 3 مليارات من السعودية،
استمرار توافد الديبلوماسيين العرب والأجانب الى لبنان ولقاء كبار القادة السياسيين،
تطبيق الخطة الأمنية في الشمال والبقاع والضاحية الجنوبية،
اعادة بسط نفوذ الدولة على سجن رومية،
القبض على عدد من أخطر الارهابيين،
استتباب الأمن في معظم المناطق،
لكن، هل هذه الأحداث التي حصلت منذ التمديد الى الحوارات القائمة الى الخطة الأمنية ... أو غيرها كانت ستحصل بوجود رئيس للجمهورية أم لا؟ وهل، وكما في كل مرة، قرار انهاء الفراغ الرئاسي يحتاج الى تدخل دولي على غرار اتفاق الطائف وتسوية الدوحة؟ وهل ستبقى السلطة الأولى مرهونة للخارج؟ فالتدخلات فيها ليست بالشيء الجديد فمنذ العهد العثماني كان الباب العالي هو من يحدد أسماء الأمراء لرئاسة المقاطعات، وبعد تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، كانت الكلمة الفصل في انتخاب الرئيس لفرنسا، ولاحقاً أصبحت سدة الرئاسة خاضعة للتدخل الأميركي، السوري، البريطاني، المصري، الروسي، السعودي والايراني بحيث بات من المتعارف عليه أن اسم الرئيس بات خياراً عربياً-دولياً يلعب النواب اللبنانيون فيه دور المتلقي لا المقرر.
في الخلاصة، الفراغ قائم، والمرشحون مختلفون على كل شيء، والأطراف السياسية، وخصوصاً المسيحية، منهمكون بتفاصيل لا تنتهي، والمواطن يتابع مذهولاً سلطة باتت تعتمد التمديد بديلاً لتداول السلطة.. هل الخلل في بنية النظام، أم في التركيبة السياسية، أم في الشعب نفسه؟ مع التذكير بأن الذهاب الى هذين الاتفاقين اللذين أنتجا رئيساً من الفراغ، قام على أحداث أمنية خطيرة، ففي عام 1988 أي قبل اتفاق الطائف عاشت البلاد في ظلال حرب أهلية وانقسام في المؤسسات الدستورية مقروناً بفرز طائفي مخيف، وفي عام 2008 وقبل الذهاب الى مؤتمر الدوحة حصلت أحداث 7 أيار والتي تعتبر الأكثر خطورة بعد انتهاء الحرب الأهلية.