يرى تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن الحرب الإسرائيلية على غزة لم تقتصر آثارها على الفلسطينيين وإسرائيل، بل أسهمت في تغيير الشرق الأوسط وتوسيع دائرة الصراعات، بالتوازي مع تراجع قدرة الدول الغربية على فرض احترام القانون الدولي.
وبعد ثلاث سنوات على هجوم 7 تشرين الأول 2023، يعتبر التقرير أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، بعدما امتدت المواجهات إلى
لبنان وسوريا وإيران واليمن، وتداخلت الصراعات مع مصالح دول أخرى، من بينها
السعودية وباكستان وتركيا. ويحذّر من أن تزايد الأطراف المنخرطة في هذه الحروب يجعل احتواءها أكثر صعوبة.
ويشير التقرير الذي ترجمه "لبنان24" إلى أن الدمار الواسع في غزة، الذي وثّقته صور الأقمار الاصطناعية، يعكس حجم التحوّل الذي شهدته المنطقة، في وقت تجاوزت فيه حصيلة القتلى الفلسطينيين، 73 ألفاً، بينهم 21 ألف طفل. وفي المقابل، غيّر هجوم حماس على
إسرائيل في 7 تشرين الأول صورة الأمن التي سعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى ترسيخها.
لكن التقرير يرى أن التحوّل الأعمق يتمثل في تراجع مكانة القانون الدولي أمام منطق القوة العسكرية. ففي حين حشدت الدول الغربية الدعم لمواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 استناداً إلى ضرورة احترام القانون الدولي، يعتبر التقرير أن هذه الدول لم تتعامل بالمعايير نفسها مع الحرب الإسرائيلية على غزة، رغم التقارير والاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.
ويضيف أن التغطية المباشرة للحرب، عبر الصحافيين الفلسطينيين ومقاطع الفيديو المتداولة، جعلت مشاهد القصف والدمار وسقوط الضحايا متاحة أمام الجمهور العالمي بصورة غير مسبوقة. كما يرى أن استخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف العسكرية يفتح نقاشاً حول مستقبل الحروب وحدود الرقابة البشرية على القرارات العسكرية.
واشنطن والغرب تحت المجهر
ينتقد التقرير استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، معتبراً أن مسؤولية تراجع النظام الدولي لا تبدأ مع
دونالد ترامب وحده، بل تمتد إلى إدارة جو بايدن، التي واصلت إمدادات الأسلحة لإسرائيل وعارضت قرارات في مجلس الأمن تدعو إلى وقف إطلاق النار.
ويستحضر التقرير في المقابل محطات استخدم فيها رؤساء أميركيون سابقون نفوذهم للضغط على إسرائيل، من بينها تعليق رونالد ريغان صفقة أسلحة عام 1981 بعد ضم إسرائيل الجولان، ثم وقف إمدادات الذخائر العنقودية عام 1982، إضافة إلى مراجعة إدارة جورج بوش الابن استخدام الأسلحة الأميركية عام 2002.
كما ينتقد المواقف الغربية الأولى التي دعمت إسرائيل، مشيراً إلى أن التغيّرات السياسية في بعض الدول قد تفتح المجال أمام ضغوط دولية أكبر. ويلفت إلى تبدّل الخطاب في بريطانيا، وإلى تراجع الدعم لإسرائيل في
الولايات المتحدة، لكنه يحذّر من الاعتقاد بأن تغيّر الإدارات السياسية وحده سيعيد العالم إلى ما كان عليه قبل الحرب.
من غزة إلى السودان وإثيوبيا
ويؤكد التقرير أن أنماط العنف والإفلات من المحاسبة لم تبدأ مع حرب غزة، مستشهداً بحرب تيغراي في إثيوبيا والصراع في السودان، حيث سُجّلت مجازر ومجاعة قسرية وهجمات بالطائرات المسيّرة وانتهاكات ضد المدنيين، من دون محاسبة كافية للمسؤولين عنها.
لكن التقرير يرى أن ما جرى في غزة سرّع تطبيع هذه الممارسات، وأن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات وتصعيدها. ويحذّر من أن اتساع الحروب وتصلّب مواقف أطرافها يخلقان دوامة من العنف يصعب وقفها، خصوصاً عندما لا يواجه المسؤولون عن الانتهاكات عواقب واضحة.
ويخلص التقرير إلى أن العالم لا يستطيع العودة ببساطة إلى ما قبل 7 تشرين الأول 2023، ولا ينبغي التعامل مع المرحلة السابقة باعتبارها نموذجاً مثالياً. يضيف:" يتطلب تغيير المسار الاعتراف بأن الحروب المتداخلة وتراجع احترام القانون الدولي أصبحا جزءاً من واقع عالمي جديد، يمتد أثره من غزة ولبنان إلى السودان وإثيوبيا والخليج".