تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

لماذا لم يُعلّق حزب الله رسمياً على حادثة المتفجرات؟

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
14-10-2026 | 02:30
A-
A+
لماذا لم يُعلّق حزب الله رسمياً على حادثة المتفجرات؟
لماذا لم يُعلّق حزب الله رسمياً على حادثة المتفجرات؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
أثارت حادثة توقيف شخصين على حاجز «ضهر البيدر»، بعد ضبط مواد متفجرة داخل سيارتهما، سجالاً سياسياً وأمنياً سرعان ما اتّخذ منحى تصعيدياً، خصوصاً مع تداول معلومات قضائية عن انتماء الموقوفين بـ"حزب الله". غير أن اللافت وسط هذا السجال كان غياب أي تعليق رسمي من "الحزب"، رغم اتّساع دائرة المواقف والتفسيرات التي رافقت الحادثة.
Advertisement

وتكشف مصادر مطلعة على أجواء "حزب الله" أن الصمت لم يكن خياراً محسوماً منذ البداية، إذ شهدت الأوساط المعنية نقاشاً بين توجّهين، دعا الأول إلى إصدار بيان يوضح موقف "الحزب" من الحادثة، ووصلت المشاورات بشأن مضمونه إلى مرحلة متقدمة، قبل أن يتقدّم رأي آخر يفضّل عدم التعليق، انطلاقاً من أن "الحزب" لا يعتمد إصدار البيانات في التعاطي مع حوادث أمنية من هذا النوع. وبناءً عليه، صُرف النظر عن البيان، واستقرّ القرار على عدم الدخول في السجال.

غير أن أهمية هذا القرار تتجاوز مسألة إصدار بيان من عدمه، إذ يعكس طبيعة المأزق الذي يمكن أن يفرضه التعليق على حادثة لا تزال ملابساتها موضع تحقيق. فالدخول في سجال الاتهامات كان سيضع "الحزب" أمام ضرورة تقديم إجابات تفصيلية عن واقعة أمنية لم تتّضح كل عناصرها، فيما كان النفي أو التوضيح سيمنحان الروايات المتداولة وزناً سياسياً إضافياً. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الصمت بوصفه محاولة لعدم تحويل الحادثة إلى مواجهة إعلامية مفتوحة، من دون أن يشكّل ذلك، بحد ذاته، دليلاً على صحة الاتهامات أو نفيها.

لكن الامتناع عن التعليق لا يلغي وجود قراءة سياسية لدى "الحزب" لما جرى وللمواقف التي أعقبته. فبحسب المصادر، ينطلق "حزب الله" من اعتبار أن النقاش بشأن المقاومة لا يمكن فصله عن الوقائع الميدانية في الجنوب، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التجريف والتدمير، في سياق يراه "الحزب" محاولة لفرض واقع أمني جديد، وإزالة المقومات التي تعترض التطلعات التوسعية الإسرائيلية، ولا سيما في المناطق المقابلة لما يُعرف بالخط الأصفر.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها تنقل النقاش من حدود الحادثة الأمنية إلى أصل الخلاف السياسي حول وظيفة المقاومة في المرحلة الراهنة. فـ"الحزب"، وفق هذه القراءة، لا يتعامل مع استمرار دوره باعتباره مسألة منفصلة عن الواقع الذي أفرزته المواجهة مع إسرائيل، بل يربطه باستمرار التهديد وغياب تسوية أمنية تضمن وقف الاعتداءات. في المقابل، تنطلق القوى المطالبة بحصرية السلاح من اعتبار أن معالجة هذه المخاطر يجب أن تمرّ حصراً عبر مؤسسات الدولة. وهنا يظهر جوهر التباين بين مقاربتين لا تختلفان فقط حول السلاح، بل حول الجهة التي تملك حق اتخاذ القرار الأمني والعسكري في ظل استمرار المواجهة.

وفي تقدير المصادر، ان استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يمنح "المقاومة" مبررات إضافية للاستمرار في دورها، باعتبار أن مواجهة الاحتلال والاعتداءات تندرج ضمن حق الدفاع المشروع الذي يستند إليه "الحزب" في مقاربته. كما أن حجم التدمير والتضحيات التي شهدتها المواجهة يضع، وفق المصادر، مسؤوليات إضافية على "المقاومة"، ويجعل من الصعب التعامل مع دورها بمعزل عن استمرار التهديد الإسرائيلي.

ولا تفصل المصادر هذه المقاربة عن أداء السلطة اللبنانية، التي تتهمها بالتدرّج في تقديم التنازلات، بعدما كان اتفاق تشرين الثاني يشكّل أساساً للمطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتنفيذ الالتزامات المتبادلة. وترى أن المسار الرسمي لم ينتج حتى الآن جهداً دبلوماسياً مؤثراً، بل انتهى، وفق توصيفها، إلى التراجع عن التمسك بوقف إطلاق النار من دون الحصول على مقابل فعلي.

وتفتح هذه الانتقادات باباً أوسع للنقاش بشأن العلاقة بين الخيارات الرسمية وموقع "المقاومة". فكلما عجزت السلطة عن تحقيق نتائج ملموسة في مواجهة الاعتداءات، ازدادت قدرة "الحزب" على الاستناد إلى هذا العجز لتبرير استمرار دوره العسكري. وفي المقابل، فإن استمرار السلاح خارج المؤسسات الرسمية يبقى أحد أبرز العوامل التي تعقّد التوافق الداخلي. وبهذا المعنى، لا تقتصر الأزمة على الاختلاف حول تقييم أداء الحكومة، بل تمتدّ إلى غياب تصوّر مشترك لكيفية حماية لبنان وتحديد المسؤوليات بين الدولة و"المقاومة".

أما في ما يتعلق بالاتهامات الداخلية، فتبدو لهجة المصادر أكثر حدّة، وخصوصاً حيال الجهات التي سارعت إلى الحديث عن نوايا أمنية ومخططات اغتيال قبل اتضاح نتائج التحقيق. وتضع هذه المواقف في إطار اتجاهين، أولهما يتمثل في أطراف تعتبر أنها تخلّت عن استقلالية قرارها السياسي، وباتت تتحرك تحت تأثير وصايات خارجية تملي عليها مواقفها، فيما يتمثل الثاني في قوى تسعى، بحسب المصادر، إلى رفع مستوى التوتر الداخلي واستثمار الحادثة في حسابات سياسية وطائفية.

والواقع أن سرعة انتقال الحادثة من إطارها الأمني إلى دائرة الاتهامات السياسية تكشف حجم التوتر الذي يحكم العلاقة بين القوى اللبنانية. فكل تطوّر يتصل بالسلاح بات قابلاً لأن يتحول إلى مواجهة تتجاوز الوقائع المباشرة، وتستحضر مجمل الانقسامات المتراكمة بشأن موقع "حزب الله" في المعادلة الداخلية. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود الجدل محصوراً بما إذا كانت هناك مخالفة أمنية تستوجب المساءلة، بل يتسع ليشمل النوايا والارتباطات والخيارات السياسية، بما يهدد بتقديم الأحكام المسبقة على نتائج التحقيق.

لكن ذلك لا يلغي أن الحادثة تطرح أسئلة أمنية وقانونية مشروعة، وأن الفصل بين التحقيق القضائي والتوظيف السياسي يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتجاوز المساءلة. فالمسؤولية عن نقل المواد المتفجرة وظروف حيازتها ووجهتها مسائل لا يحسمها السجال الإعلامي، كما أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية لا يعفي الجهات المعنية من توضيح الوقائع أمام المؤسسات المختصة. وهذه نقطة أساسية في التمييز بين مشروعية النقاش حول "المقاومة" وبين المسؤوليات التي قد تنشأ عن حادثة أمنية محددة.

وعليه، فإن صمت "حزب الله" لا يمكن فصله عن حسابات المرحلة التي يمرّ بها، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الانقسام الداخلي حول سلاحه ودوره. فالرد على الحادثة كان سيعني الدخول في سجال بشروط فرضتها الاتهامات المتداولة، فيما أتاح عدم التعليق إبقاء الموقف الرسمي خارج هذه المواجهة، مع استمرار التعبير عن المقاربة السياسية عبر الأوساط المطلعة.

في المحصلة، قد تكون دلالة الحادثة السياسية أبعد من قرار "الحزب" إصدار بيان أو حجبه. فهي تعكس واقعاً لبنانياً باتت فيه الوقائع الأمنية تتحول سريعاً إلى ساحات اشتباك سياسي، في ظل غياب توافق على إدارة الصراع مع إسرائيل وعلى حدود الدور العسكري خارج الدولة. وبين تمسّك "الحزب" بمبررات استمرار "المقاومة وإصرار خصومه على حصرية السلاح، تبقى المشكلة الأعمق في عجز الأطراف عن إنتاج مقاربة وطنية مشتركة، تضمن المساءلة القانونية من جهة، وتواجه المخاطر الأمنية القائمة من جهة أخرى، من دون أن يتحول كل تطور ميداني إلى مناسبة جديدة لتعميق الانقسام الداخلي.
 
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj