نجح فريقان بحثيان، أحدهما
أوروبي والآخر صيني، في بناء نماذج عاملة لساعات نووية تستخدم نواة الذرة لقياس الزمن. ونُشرت النتائج في مجلة "Nature" في 7 تشرين الأول. أهمية الإنجاز تتصل بأنظمة نستخدمها يومياً، فالملاحة بالأقمار الاصطناعية والاتصالات تحتاج إلى توقيت شديد الدقة، وقد يتحول الخطأ
الزمني إلى خطأ في تحديد الموقع أو اضطراب في تزامن الشبكات.
تعتمد الساعات الذرية الحالية على انتقال الإلكترونات بين مستويات الطاقة لضبط ترددها. أما الساعة النووية فتستخدم انتقالاً داخل نواة الذرة نفسها، التي تكون أقل تأثراً ببعض المؤثرات الخارجية. واختار الباحثون نظير "الثوريوم-229" لأن خصائصه تسمح بالتحكم بهذا الانتقال باستخدام الليزر، وهو أمر يصعب تحقيقه في معظم النوى الأخرى.
في التجربة الأوروبية، التي قادتها جامعة فيينا التقنية بالشراكة مع المعهد الألماني للقياس، عمل النموذج أكثر من 24 ساعة من دون تدخل. ووصفت الجامعة مستوى أدائه بأنه يعادل حسابياً خطأ ثانية واحدة خلال نحو 30 مليون سنة، استناداً إلى قياسات التجربة. وفي المقابل، أظهر نموذج جامعة تسينغهوا تذبذباً أقل بنحو ست مرات في أحد مقاييس الاستقرار المنشورة. إلا أن ذلك لا يعني أن النموذج الصيني أصبح أدق ساعة في العالم.
الصناعات المتقدمة
وتكشف النتيجتان أن المنافسة التقنية مع
الصين تشمل الأدوات الأساسية التي تقوم عليها الصناعات المتقدمة. ففريق
بكين طوّر مصدر الليزر، وعمل مع مؤسسات صينية لإنتاج البلورات المطلوبة وإجراء القياسات. هذه القدرة تمنح الباحثين مجالاً لتطوير التقنية واختبارها محلياً، بدلاً من الاكتفاء باستيراد أجهزة جاهزة. لكن نجاح فريقين مستقلين يظل أيضاً مكسباً علمياً مشتركاً، إذ يتيح مقارنة النتائج وتحسينها.
ويفسّر نظام "GPS" أهمية هذا السباق. فالأقمار الاصطناعية ترسل إشارات تتضمن توقيت إرسالها، ويستخدم جهاز الاستقبال زمن وصولها لحساب المسافات وتحديد موقعه. لذلك تحمل الأقمار ساعات ذرية، وتُصحَّح قراءاتها باستمرار بواسطة ساعات أدق على الأرض. تحسين التوقيت يخدم هنا الملاحة المدنية والعسكرية معاً.
في
لبنان، حيث حذّرت نشرات الملاحة الجوية من تشويش إشارات تحديد المواقع وتزييفها، يبرز السؤال عن إمكان تقليل الاعتماد عليها. فقد تساعد ساعات مستقلة وأكثر ثباتاً مستقبلاً في الحفاظ على التوقيت عند انقطاع الإشارة، ضمن منظومات تضم وسائل أخرى للملاحة. لكنها لا تمنع التشويش بذاتها، ولا تكفي ساعة دقيقة وحدها لتحديد الموقع.
وما تحقق حتى الآن يبقى داخل المختبر. فالنماذج الجديدة لم تتجاوز أفضل الساعات الذرية البصرية، وتحتاج إلى تحسين الدقة وتصغير التجهيزات قبل الاستخدام العملي. الاختبار المقبل هو تشغيل هذه الساعات بكفاءة خارج بيئة التجربة، فعلى سبيل المثال يمكن تجربتها على متن قمر اصطناعي، أو في شبكة اتصالات، أو ضمن منظومة ملاحة. عندها تتضح القيمة العملية للسباق على أجزاء الثانية.