بين
لبنان وفرنسا حكاية علاقة متجذّرة، نسجت خيوطها اللغة والثقافة والتعليم، حتى غدت
فرنسا بالنسبة إلى أجيال من اللبنانيين أكثر من مجرّد وجهة في الخارج، لتصبح وطنًا ثانيًا احتضن طموحاتهم وفتح أمامهم أبواب
العلم والمعرفة.
فمنذ مقاعد الدراسة الأولى، ترافق اللغة
الفرنسية اللبنانيين في رحلتهم التعليمية، لتبقى الجامعات الفرنسية لاحقًا إحدى أبرز الوجهات التي يقصدونها لاستكمال دراساتهم العليا، وتطوير مهاراتهم وتنمية قدراتهم، وبناء مستقبل مهني واعد.
وفي هذا البلد، يواصل نحو 10,600 طالب لبناني مسيرتهم الأكاديمية، حاملين معهم طموحاتهم وآمال عائلاتهم، ومراهنين على التعليم بوصفه جسرًا نحو مستقبل أفضل.
لكنّ المشهد الفرنسي يشهد في الفترة الأخيرة تحوّلات لافتة، مع تصاعد الاحتجاجات الطلابية واتّساع رقعة التحرّكات في عدد من المناطق، على خلفية الاعتراض على السياسات التعليمية والأوضاع الجامعية والمطالب المتعلّقة بحقوق الطلاب ومستقبلهم الأكاديمي، وسط توترات ومواجهات أثارت تساؤلات بشأن انعكاساتها على الحياة اليومية.
فكيف هو واقع الطلاب اللبنانيين في فرنسا في ظلّ الاحتجاجات المتصاعدة؟ وكيف يتعاملون مع هذه التطورات، وما مدى انعكاسها على حياتهم اليومية ومسيرتهم الدراسية؟
يصف رئيس اللجنة الوطنية للطلاب اللبنانيين في فرنسا، عمر الخولي، في حديثه لـ"
لبنان 24"، الأوضاع الحالية بأنها "حسّاسة ومربكة للجميع، وليس فقط للطلاب اللبنانيين"، مشيرًا إلى أنّ تداعياتها تطال جوانب متعددة من حياة الطلاب، من الدراسة والمعيشة إلى الشعور بالأمان والتنقّل.
ويلفت الخولي إلى أنّ الطلاب اللبنانيين تأثّروا بشكل مباشر بالأحداث الأخيرة، شأنهم شأن سائر الطلاب في الجامعات الفرنسية، موضحًا أنّ التحركات الاحتجاجية في بعض المناطق أثارت حالة من القلق والحذر، فيما تسبّبت الاضطرابات التي شهدتها وسائل النقل العام في عدد من المدن الكبرى بتأخيرات وتعطّل بعض الخطوط، ما صعّب وصول الطلاب إلى جامعاتهم ومتابعة أنشطتهم اليومية بصورة طبيعية.
ولا تقتصر التداعيات على التنقّل والحياة اليومية، بل امتدّت إلى المسار الأكاديمي أيضًا، إذ يشير الخولي إلى أنّ عددًا من الجامعات الفرنسية شهد إغلاقًا مؤقتًا أو تعليقًا للدروس الحضورية، فيما لجأت مؤسسات أخرى إلى اعتماد التعليم عن بُعد أو تأجيل بعض المحاضرات والامتحانات والأنشطة الجامعية. وقد أدّت هذه الإجراءات إلى إرباك البرامج الدراسية والحياة الجامعية للطلاب اللبنانيين.
خلية أزمة وشبكة ممثلين لمتابعة الطلاب
في مواجهة هذه التحديات، تحرّكت اللجنة الوطنية للطلاب اللبنانيين في فرنسا لمواكبة المستجدات والاطمئنان إلى أوضاع الطلاب. ويكشف الخولي أنّ اللجنة شكّلت، منذ بداية التطورات، خلية أزمة، بالتوازي مع إنشاء شبكة من الممثلين المحليين في عدد من المدن الفرنسية الرئيسية التي تضمّ طلابًا لبنانيين، من بينها
باريس "Paris"، وليون "Lyon"، ومرسيليا "Marseille"، مونبلييه "Montpellier"، ونيس "Nice"، وستراسبورغ "Strasbourg"، وليل "Lille" .
ويوضح أنّ هذه الشبكة تتيح متابعة التطورات ميدانيًا والتواصل المستمر مع الطلاب، للاطلاع على أوضاعهم والمشكلات التي قد يواجهونها، سواء كانت جامعية أو إدارية أو مرتبطة بظروفهم اليومية. ويؤكد أنّ أبواب اللجنة مفتوحة أمام كل طالب لبناني يحتاج إلى المساعدة أو التوجيه، من خلال التواصل مع ممثل اللجنة في مدينته أو مع اللجنة المركزية، بهدف العمل على إيجاد الحلول المناسبة ضمن الإمكانات المتاحة.
وعلى خطّ التواصل الرسمي، يشير الخولي إلى أنّ اللجنة على تواصل دائم مع السفارة
اللبنانية في فرنسا ووزارة الخارجية اللبنانية، وتعمل على نقل المستجدات والمعلومات المتعلقة بأوضاع الطلاب إلى الجهات المعنية، ولا سيما في الحالات التي تستدعي المتابعة أو التدخّل. كما تؤدي اللجنة دور حلقة وصل بين الطلاب وجامعاتهم الفرنسية من جهة، والسفارة والجهات الرسمية المختصة من جهة أخرى، لتسهيل التواصل ونقل مطالب الطلاب ومشكلاتهم، والعمل على تأمين الدعم اللازم قدر الإمكان.
الخولي يدعو الطلاب إلى التزام الإطار السلمي والقانوني
وفي رسالة وجّهها إلى الطلاب الأجانب في فرنسا، ولا سيما الطلاب العرب، دعا الخولي إلى الاستفادة من التجربة اللبنانية في تنظيم المواقف الطلابية على أساس الوعي والمسؤولية، والنأي بالنفس عن أي تحركات تخرج عن إطارها السلمي والقانوني، مشددًا على ضرورة احترام القوانين الفرنسية وتقدير المجتمع الفرنسي المضيف، من دون المساس بحق الطلاب في التعبير السلمي عن مطالبهم المشروعة.
كما جدّد دعوته إلى الطلاب اللبنانيين إلى عدم التردد في التواصل مع اللجنة الوطنية للطلاب اللبنانيين في فرنسا عند مواجهة أي مشكلة أو الحاجة إلى المساعدة والتوجيه، مشيرًا إلى إمكان تقديم الطلبات عبر الموقع الإلكتروني للجنة cnelfrance.online، حيث تعمل على متابعتها وتقديم الدعم الممكن.
الطلاب اللبنانيون على خطّ المساعدة
ولم تقتصر رسالة الخولي على متابعة شؤون الطلاب في فرنسا، بل شملت أيضًا استعداد الطلاب اللبنانيين للمساهمة بصورة طوعية ومنظّمة، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، في أعمال إزالة الأنقاض ومساعدة المتضررين، من خلال المشاركة في المبادرات التطوعية وتقديم الدعم الميداني الممكن، وفقًا لاحتياجات المناطق المتضررة ومتطلبات السلامة العامة.
وفي هذا الإطار، كشف الخولي أنّ اللجنة كلّفت ممثليها في مختلف المناطق الفرنسية بالتواصل مع البلديات والسلطات المحلية المختصة، بهدف تنسيق مشاركة الطلاب اللبنانيين في الأعمال التطوعية، وضمان تنفيذ المبادرات بصورة منظّمة وآمنة، وبما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية على الأرض.
وبين تحديات الحياة اليومية واضطراب المسار الجامعي، تبقى متابعة أوضاع الطلاب اللبنانيين في فرنسا أولوية، في مرحلة تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الطلاب ولجنتهم والجهات الرسمية المعنية، بما يساعدهم على تجاوز الظروف الراهنة ومواصلة تحصيلهم العلمي، بالتوازي مع الحفاظ على سلامتهم واستقرارهم.