تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

حين تنتصر الكراهية على الإنسانية

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
20-10-2026 | 02:00
A-
A+
حين تنتصر الكراهية على الإنسانية
حين تنتصر الكراهية على الإنسانية photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
منذ حادثة الصليب في الاكوادور وأنا اتابع التعليقات، وبالأخص منها تلك التي اتسمت بكثير من قلّة الأخلاق، وبفائض من الحقد والكراهية، وبشماتة ما بعدها شماتة. لم أعّلق، بل كنت "شيطانًا" ساكنًا عن الحق، وإن عن قصد وتصميم، لكي أعرف إلى أي مدى يمكن أن يصل إليه هؤلاء، الذين استهزأوا، كما استهزأ قبلهم من كانوا قبالة يسوع وهو مسمّر على الصليب، فغفر لهم ولم يرذلهم، وهو القائل "أحبّوا اعداءاكم، وباركوا لاعنيكم".
Advertisement
ليست المأساة في كلّ حادثة مؤلمة تقع في حياتنا، بل أحيانًا في الطريقة التي نستقبل بها ألم الآخرين، وفي المواقف التي نختارها حين يصبح وجع الإنسان أمامنا مادةً للتعليق أو السخرية أو الشماتة. فهناك حوادث تستدعي التحقيق والمحاسبة، وأخرى تضع ضمائرنا أمام امتحان لا يقلّ أهمية عن معرفة أسبابها والمسؤولين عنها.
إنّ حادثًا مأسويًا، قد يقع في أي مكان ويطال أي إنسان، سواء أكان رجل دين أم عاملًا في البلدية أم مواطنًا عاديًا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى مناسبة لإطلاق الأحكام الغيبية أو توزيع الاتهامات غير الأخلاقية. فالحوادث التي تنتج من خلل هندسي أو خطأ في التركيب أو إهمال في إجراءات السلامة تستوجب تحقيقًا علميًا وتقنيًا يحدّد الأسباب والمسؤوليات، لا تفسيرات قائمة على الخرافة أو الاعتقاد بأنّ ما حدث عقاب إلهي أو نتيجة معاصٍ ارتكبها هذا الشخص أو ذاك.
إنّ احترام العقل لا يتعارض مع الإيمان، كما أنّ الإيمان لا يبرّر التخلي عن المنطق أو إعفاء المسؤولين من واجباتهم. فمن حقّ المؤمن أن يجد في إيمانه عزاءً أمام المأساة، لكن ليس من حقّ أحد أن يحوّل آلام الآخرين إلى أحكام قاطعة على علاقتهم بالله أو على مصيرهم. فهذه مسائل لا يجوز استخدامها أداةً للتشهير أو الشماتة، ولا يمكن أن تكون بديلًا من البحث عن الحقيقة ومحاسبة المقصّرين.
غير أنّ ما يثير القلق، إلى جانب الحادثة نفسها، هو ما يكشفه بعض ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت المآسي الإنسانية لدى البعض فرصةً للسخرية، وكأنّ الألم الذي يصيب شخصًا مختلفًا عنّا في الموقف أو الانتماء يمنح الآخرين سببًا للاحتفال.
ولعلّ ما رافق تداول أخبار عن إصابة البابا لأوون الرابع عشر بسرطان الرئة من تعليقات ساخرة ومواقف اتّسمت بالتشفّي، يطرح سؤالًا يغوص في جوهر التربية الإنسانية. كيف يمكن لإنسان أن يرى في مرض إنسان آخر مناسبةً للابتهاج، وكيف يمكن أن تتحوّل معاناة المريض إلى انتصار معنوي لدى من يختلف معه في الفكر أو الموقف؟
ليس المطلوب من أحد أن يتبنّى إيمان البابا، أو أن يوافق على مواقف رجل دين، أو أن يمنح المؤسسات الدينية حصانةً من الانتقاد. وهذا حقّ مشروع، بل ضرورة في المجتمعات التي تحترم حرية التفكير والتعبير. لكنّ ثمة فارقًا جوهريًا بين انتقاد الأفكار والمواقف والمؤسسات، وبين التشفّي بمرض الإنسان أو تحويل مصيبته إلى مادة للتندر.
هذا الفارق هو الذي يحدّد، إلى حدّ بعيد، مستوى الحوار العام في أي مجتمع. فالإنسان الواعي يستطيع أن يعارض بشدّة من دون أن يفقد احترامه لكرامة خصمه، وأن يرفض فكرةً من دون أن يتمنى الأذى لصاحبها، وأن يتمسّك بقناعاته من دون أن يجعل الكراهية جزءًا من هويته.
والأمر لا يتعلّق برجال الدين وحدهم. فالمعيار الأخلاقي نفسه ينبغي أن يسري على الجميع، بصرف النظر عن مواقعهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم. إنّ مرض أي إنسان لا ينبغي أن يكون مناسبةً للتشفّي، كما أنّ موت أي شخص لا يبرّر إلغاء إنسانيته أو تحويل الحزن الذي يصيب عائلته ومحبيه إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وإذا كان من حقّ الناس أن يختلفوا، فإنّ من واجبهم أيضًا أن يدركوا أنّ الاختلاف لا يلغي المشتَرك الإنساني بينهم. فالكرامة ليست امتيازًا تمنحه جماعة لأبنائها وتحجبه عن الآخرين، والرحمة ليست موقفًا انتقائيًا يُمارَس مع من يشبهوننا ويُعلَّق عندما يتعلّق الأمر بمن نختلف معهم.
في زمن تتّسع فيه مساحات التعبير، وتتراجع أحيانًا الضوابط التي تحكم النقاش العام، تصبح المسؤولية الفردية أكثر إلحاحًا. فليس كلّ ما يمكن نشره يستحقّ النشر، وليس كلّ ما يثير التفاعل يعبّر عن وعي، وليس كلّ تعليق ساخر دليلًا على الذكاء أو الجرأة. أحيانًا، يكون الامتناع عن التعليق أكثر تعبيرًا عن النضج من عشرات الكلمات التي لا تترك وراءها سوى الأذى والانقسام.
ولا يمكن بناء مجتمع متماسك إذا أصبح الألم الإنساني خاضعًا للفرز السياسي أو العرقي، وإذا باتت مشاعر التضامن مرتبطةً بهوية المتألّم بدلًا من إنسانيته. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حرية التعبير، بل أيضًا بقدرتها على صون كرامة الإنسان، وخصوصًا عندما يكون ضعيفًا أو مريضًا أو منكوبًا.
إنّنا لا نحتاج إلى الاتفاق على كلّ شيء كي نحافظ على إنسانيتنا، ولا إلى التخلّي عن قناعاتنا كي نحترم مشاعر الآخرين. كلّ ما نحتاج إليه هو أن نضع حدًّا فاصلًا بين الحرية والإساءة، وبين النقد والتشهير، وبين الاختلاف والكراهية.
ليس السؤال عمّا إذا كنّا نحبّ هذا البابا أو ذاك الكاهن، أو نوافق على مواقفهما أم نرفضها. السؤال الأهمّ هو: أيّ إنسان نريد أن نكون عندما يمرض الآخر، أو يتألّم، أو يقع في محنة؟
هناك، تحديدًا، تظهر حقيقة القيم التي نتحدّث عنها، ويتبيّن ما إذا كانت مبادئنا جزءًا من سلوكنا أم مجرّد شعارات نرفعها عندما تخدم مواقفنا.
فالإنسانية لا تُختبَر عندما نتعاطف مع من نحبّ، بل عندما نحفظ كرامة من نختلف معه. والاختلاف لا ينتقص من إنسانيتنا، أمّا الشماتة بألم الآخرين فتنتقص من المعنى الذي يمنح هذه الإنسانية قيمتها.
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas