أن ينتظر مريض عشر ساعات في قسم الطوارئ داخل مستشفى في
كندا من دون أن يحظى بالاهتمام الطبي الذي تستدعيه حالته، فهذه ليست مسألة عابرة يمكن تبريرها بازدحام المستشفيات أو نقص الموظفين أو الضغط المتزايد على القطاع الصحي. إنها قضية تمسّ كرامة الإنسان، وحقه في الرعاية، والثقة التي يفترض أن يضعها المواطن في نظام صحي يُقدَّم غالباً بوصفه إحدى أبرز ركائز دولة الرعاية الاجتماعية.
عشر ساعات! كيف يمكن تقبّل هذا الواقع في بلد يمتلك الإمكانات العلمية والتقنية، ويستقطب الكفاءات الطبية، وينفق الأموال العامة على قطاع يفترض أن تكون مهمته الأولى حماية صحة الإنسان؟ وكيف يمكن مطالبة المريض بالصبر، فيما هو يدخل المستشفى طلباً للمساعدة، وقد يكون يعاني ألماً شديداً أو تدهوراً صحياً أو خوفاً حقيقياً على حياته؟
المشكلة ليست في أن ينتظر المريض بعض الوقت. فأقسام الطوارئ تعمل وفق نظام فرز طبي يضع الحالات الأكثر خطورة في مقدمة الأولويات، وهذا إجراء ضروري لا يمكن الاعتراض عليه. كما أن طول الانتظار قد يكون نتيجة ضغط استثنائي أو نقص في الأسرة أو الكوادر الطبية. لكن ما لا يمكن القبول به هو أن يتحول الانتظار إلى حالة اعتيادية، وأن يشعر المريض بأنه متروك لمصيره، من دون شرح واضح أو متابعة مناسبة أو تقدير لمدى تدهور حالته.
الانتظار في الطوارئ ليس مجرد مشكلة إدارية، بل قد يتحول إلى مشكلة صحية وإنسانية عندما يغيب التقييم المناسب والمتابعة الضرورية.
كندا التي يفخر كثيرون بنظامها الصحي المموّل من المال العام، لا تستطيع أن تكتفي بالقول إن العلاج متاح للجميع من حيث المبدأ. فالتغطية الصحية لا تعني الكثير إذا كان الوصول إلى الطبيب يتطلب الانتظار لساعات طويلة، وإذا كان المريض لا يعرف متى سيُفحص، أو كيف يمكنه الحصول على المساعدة عندما تتفاقم أعراضه.
ليس المطلوب أن تتحول المستشفيات إلى أماكن لا تعرف الازدحام، فذلك غير واقعي، ولا أن يحصل كل مريض على العلاج بالترتيب الذي وصل فيه، لأن الأولوية يجب أن تكون للحالات الأشد خطورة. المطلوب هو أن يكون هناك نظام قادر على التمييز بين الانتظار الضروري والانتظار الذي يكشف خللاً في الإدارة أو نقصاً في الموارد، وأن يضمن إعادة تقييم المرضى الذين تتغير حالتهم أثناء وجودهم في غرفة الانتظار.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومات الإقليمية، ووزارات الصحة، وإدارات المستشفيات. فمن غير المقبول أن يُترك المواطن في مواجهة منظومة معقدة لا يعرف من يسأل فيها، ولا أين يشتكي، ولا من يتحمل المسؤولية عندما تتجاوز مدة الانتظار الحدود المعقولة. ومن حقه أن يحصل على معلومات واضحة، وأن يعرف سبب التأخير، وأن تُعاد معاينة حالته إذا شعر بأن وضعه الصحي يتدهور.
وفي كيبيك، كما في مقاطعات
كندية أخرى، لا يكفي الاعتراف بوجود ضغط على أقسام الطوارئ. المطلوب هو معالجة أسبابه، من نقص الكوادر والقدرة الاستيعابية إلى صعوبة الوصول السريع إلى الرعاية الأولية، وتأخر خروج المرضى الذين يحتاجون إلى أسرّة أو خدمات رعاية طويلة الأمد. فحين تتعطل حلقة واحدة من هذه المنظومة، ينعكس الخلل على المستشفى بأكمله، ويكون المريض أول من يدفع الثمن.
كما أن الحل لا يكون بإلقاء اللوم على الأطباء والممرضين الذين يعمل كثيرون منهم تحت ضغط هائل، ويبذلون جهوداً كبيرة ضمن الإمكانات المتاحة. بل ينبغي التمييز بين العاملين في الخطوط الأمامية، الذين يواجهون النتائج اليومية للأزمة، وبين القرارات الإدارية والسياسات العامة التي تحدد حجم الموارد، وتوزيعها، وقدرة المستشفيات على الاستجابة.
إن احترام المريض لا يبدأ عند دخوله غرفة الطبيب، بل منذ لحظة وصوله إلى المستشفى. يبدأ بالاستماع إليه، وتقييم حالته، وإبلاغه بما يجري، وعدم تركه يشعر بأنه مجرد رقم في لائحة انتظار. فالكرامة الإنسانية ليست خدمة إضافية، وليست امتيازاً يُمنح لمن يملك القدرة على الشكوى أو العلاقات، بل هي أساس أي نظام صحي يحترم نفسه.
وإذا كانت عشر ساعات من الانتظار قد أصبحت واقعاً يختبره بعض المرضى، فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه السلطات الصحية ليس كيف تبرر هذه المدة، بل كيف تمنع تكرارها، وكيف تضمن ألا يتحول التأخير إلى خطر على حياة الناس.
فالنظام الصحي لا يُقاس فقط بعدد المستشفيات والأطباء، ولا بحجم الأموال التي تُنفق عليه، بل بقدرته على الوصول إلى المريض عندما يحتاج إليه.
لا يجوز أن يصبح المريض مضطراً إلى
الاختيار بين احتمال تفاقم حالته وبين مغادرة المستشفى بعد ساعات من الانتظار، ولا أن تتحول أقسام الطوارئ إلى اختبار لقدرة الإنسان على الاحتمال. وإذا كانت هناك حالات لا يمكن تجنب انتظارها بسبب خطورتها الأقل مقارنة بحالات أخرى، فإن ذلك لا يعفي المستشفى من واجب المتابعة والتواصل والتقييم المستمر.
كندا تستحق نظاماً صحياً أكثر فاعلية، والمواطنون يستحقون أكثر من مجرد تبريرات متكررة. فحين يذهب الإنسان إلى المستشفى، لا يطلب امتيازاً، ولا معروفاً من أحد؛ إنه يطلب حقاً أساسياً من حقوقه.
عشر ساعات في الطوارئ من دون اهتمام كافٍ ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بعبارة "هذا هو الواقع". إنها دعوة صريحة إلى مراجعة السياسات الصحية، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن أوجه القصور، ووضع المريض في قلب الأولويات.
فإذا كان على المريض أن ينتظر عشر ساعات كي يشعر بأن أحداً يهتم بصحته، فالمشكلة لا تعود في وقت الانتظار وحده، بل في نظام يحتاج إلى أن يسأل نفسه بجدية: هل ما زلنا نضع الإنسان في الحسابات الصحية أولاً؟