لا تفقد الأبنية المدمّرة في الجنوب والضاحية الجنوبية كلّ قيمتها عند سقوطها، فبين الركام آلاف الأطنان من حديد التسليح والألمنيوم والنحاس، تتحول بعد كل حرب إلى سلعة لها سوق وتجّار وعقود، فيما يبقى السؤال الأساسي معلّقاً: لمن يعود هذا الحديد، ومن يقبض ثمنه؟
ويبدأ الجواب من طريقة إدارة ملف الركام نفسه، إذ أوكلت الحكومة بعد الحرب إزالة الأنقاض إلى جهات مختلفة بحسب المناطق، فتولى مجلس الجنوب المهمة في الجنوب، والهيئة
العليا للإغاثة في
بيروت والبقاع. وحصل اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية ومجلس الجنوب على 900 مليار ليرة لكل منهما، وفق ما أعلنه وزير الأشغال آنذاك في كانون الأول 2024، على أن تُلزَّم الأعمال لمتعهدين عبر مناقصات.
تجارة مربحة
وتكشف تفاصيل هذه العقود أنّ الحديد عنصر أساسي في الصفقة، لا تفصيل ثانوي، إذ يُحدَّد سعر لإزالة كل متر مكعب من الركام، فيما يُترك الحديد للمتعهدين الذين يكسّرون الباطون لاستخراجه، قبل نقل ما تبقى إلى المطامر. وسُمِح للمتعهد بالانتفاع من المواد المفروزة، وهو ما يفسّر جزئياً تدنّي أسعار الإزالة، إذ تراوحت في عقود مجلس الجنوب بين 1.61 و3.61 دولار للمتر المكعب بحسب المنطقة، فيما رست مناقصة الضاحية على عرض بقيمة 3.65 دولار للمتر المكعب قبل الضريبة.
وتوضح الحسابات حجم الإيرادات المحتملة من الحديد. ففي المادة المتعلقة بمناقصة الضاحية، ورد افتراض استخراج 80 كيلوغراماً من الحديد من كل متر مكعب، بسعر 240 دولاراً لطن الخردة. وبناءً على هذا الافتراض، قد ينتج مليون متر مكعب من الركام ما يصل إلى 80 ألف طن من الحديد، بقيمة تقارب 19 مليون دولار قبل حسم التكاليف. في المقابل، لا تتجاوز قيمة عقد الإزالة نفسه في الضاحية 5.5 ملايين دولار، ما يعني أنّ قيمة الحديد قد تفوق أحياناً قيمة العقد الذي يُستخرج بموجبه.
الحلقة الأضعف
غير أنّ الحلقة الأضعف في هذه المعادلة هي صاحب المبنى. فالقانون يمنع إزالة الركام من دون موافقة المالكين، وتُوثَّق هذه الموافقة باستمارات يوقّعونها مع رئيس البلدية ومهندس الجهة المنفّذة. لكنّ أحداً لم يوضح علناً ما إذا كانت هذه الموافقة تتضمن تنازلاً عن الحديد والمعادن، أو ما إذا كان المالك يعرف قيمة هذه المواد، علماً أنّ الأنقاض تبقى، قانونياً، بقايا ملكية خاصة حتى حين تتولى جهة عامة رفعها.
ولا تقتصر تجارة الحديد على السوق المحلية، فتحقيقات سابقة أظهرت أنّ
لبنان شكّل محطة عبور للخردة الحديدية المتجهة إلى دول اخرى، حيث يُعاد صهرها في مصانع الصلب. وقد دفع ذلك الحكومة في كانون الأول الماضي إلى حظر استيراد الخردة من
سوريا، من دون أن يشمل الحظر الخردة المحلية التي تتضاعف كمياتها مع كل حرب.
في المحصلة، يكشف ملف خردة الحرب أن كلفة رفع الركام لا تُقاس بما تدفعه الدولة وحدها، إذ يدخل فيها حديد المباني المدمّرة الذي يمثّل قيمة فعلية لمن يستخرجه. وتبقى حصة المالك، صاحب البيت الذي دُمّر، الأقل وضوحاً في هذه المعادلة، فيما تتجدد المسألة مع كل حرب جديدة، وتتضاعف معها الكميات التي تُرفع من تحت الأنقاض.