جدّد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط دعوته إلى حوار داخلي ينطلق من حصرية السلاح بيد الدولة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل وضع
الكرة في ملعب السلطات
اللبنانية التي حمّلها في مقابلته مع "لوريان لوجور" مسؤولية المبادرة إلى إطلاق الحوار. لكن، ما الذي تستطيع السلطة أن تضعه على الطاولة كي يتحوّل الحوار إلى مسار لمعالجة السلاح، ولا يكون مجرد مساحة أخرى لتقاذف الكرة وتبادل الاتهامات؟
لا تبدو المهمّة سهلة، فصعوبتها تبدأ من إقناع "
حزب الله" في المقام الأول بالدخول في تفاوض على مصير ترسانته، وإن تحدثت مصادر نيابية فيه عن انفتاحه على مناقشة السلاح ضمن استراتيجية دفاعية، على أن يسبق ذلك وقف الاعتداءات
الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة. كما تكمن أيضًا في إقناع خصوم الحزب بأنّ التدرّج في تسليم السلاح يمكن أن يخدم تنفيذ الحصرية، إذا اقترن بخطوات محدّدة والتزامات قابلة للمتابعة، بعيدًا عن لعبة تسجيل النقاط التي قد لا تحقق النتائج المرجوّة.
مع ذلك، تكتسب الدعوة دلالتها من جمع جنبلاط بين التمسّك بمرجعية الدولة والتنبيه إلى مخاطر الصدام الداخلي. ففي ردّه على تحذيرات "حزب الله" من انفجار داخلي، اعتبر أنّه لا يحق للحزب تهديد البلاد واللبنانيين، ودعا إلى التهدئة. وبذلك، يضع الحوار أمام مسؤولية دقيقة: تأمين انتقال سياسي وأمني يحفظ السلم الأهلي، من دون أن يصبح الخوف على هذا السلم سببًا لتعليق المعالجة. فنجاح الدعوة يرتبط بقدرتها على طمأنة من يخشى الصدام، وإقناع من يخشى أن تمنح الوقت لاستمرار الوضع القائم.
ما الثابت وما القابل للتفاوض؟
تبدأ مقاربة الحوار من التمييز بين المبدأ وآليات تطبيقه. فحصرية السلاح مثبتة في قرارات الحكومة، ومنها قرار الخامس من آب 2025 الذي كلّف الجيش وضع خطة تطبيقية لحصره بيد الجهات الشرعية المحددة في ترتيبات وقف الأعمال العدائية. ويعني ذلك أنّ الحوار، إذا انطلق من
القاعدة التي حدّدها جنبلاط، يفترض أن يساعد على تنفيذ خيار اتخذته الدولة، ولا يفترض أن يعيد فتح النقاش في أصل الحصرية، لأنّ ذلك يعني إخضاع القرار الحكومي لموافقة القوى المدعوّة، ومنح المعترضين قدرة على تعطيله من داخل الطاولة نفسها.
ضمن هذه المرجعية، تتّسع مساحة البحث في تسلسل الخطوات وجدولها وتوزّعها الجغرافي، وفي ترتيبات تسليم السلاح وانتشار الجيش والتحقّق من التنفيذ. وهذه تفاصيل تصنع الفارق بين قرار يصعب تطبيقه وانتقال يمكن ضبط مخاطره. فالتدرّج يصبح مفيدًا حين يحدّد ما ينتقل إلى سلطة الدولة في كلّ مرحلة، والموعد الذي تُراجع فيه النتائج، وكيفية التعامل مع التعثّر. أمّا ترك المهل والمراحل مفتوحة، أو ربط كلّ خطوة بشرط جديد، فيحوّل المرونة إلى وسيلة لتأجيل النتيجة.
ومن هنا، يحتاج أي تفاهم إلى التزامات واضحة يستطيع
مجلس الوزراء متابعة تنفيذها وتصحيح الخلل فيها. في المقابل، تبقى مسائل لا تستطيع الدولة ضمانها بإرادتها وحدها، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة. ولذلك يربط جنبلاط معالجة السلاح بتسوية تحظى بدعم إقليمي، ويستحضر في هذا السياق التجربة
البريطانية الإيرلندية، محذّرًا من أن يقود التشدد مع الحزب إلى حرب أهلية.
من يتولى تحويل الدعوة إلى خطة؟
لعلّ استحضار التجربة البريطانية الإيرلندية يكتسب دلالاته في قراءة جنبلاط للأزمة ومقاربته لحلّها، إذ يضيف إلى النقاش بعدًا آخر يتعلق بشروط التسوية اللبنانية وحدود الالتزامات الخارجية اللازمة لها. فإذا كان الدعم الإقليمي يمكن أن يساعد على تذليل اعتراضات لا يحلّها التفاهم الداخلي وحده، يبقى الأكيد أن انتظار اكتماله قبل أي تقدّم يمنح الخارج قدرة على تجميد المسار، فيما المطلوب تحديد الخطوات الممكنة الآن، وتلك التي تحتاج إلى ترتيبات أمنية وضمانات تتجاوز قدرة الدولة.
هنا تحديدًا، تظهر المسافة بين طرح جنبلاط وإطلاق عملية سياسية فعلية، إذ يحتاج الحوار، في ظلّ التباعد بين القوى السياسية، إلى تصوّر يحدّد موضوعه وكيفية إدارة الخلاف داخله. وهذه مسؤولية تقع على السلطة التي حمّلها جنبلاط مهمّة المبادرة. كما تتصل جدية المسار أيضًا بهوية المشاركين. فالحوار الذي يدعو إليه جنبلاط ينبغي أن يشمل "حزب الله" وأطرافًا أخرى، بما في ذلك تلك التي تتشدد في خصومته، لأنّ أي تفاهم يحتاج إلى قبول من يملكون القدرة على تسهيل تنفيذه أو الاعتراض عليه.
لكنّ هذا الحوار يفقد فائدته إذا اكتفى كلّ طرف بتكرار موقفه. فالمطلوب من الحزب أن يدخل في بحث عملي لمصير سلاحه، ومن خصومه أن يناقشوا ترتيبات الانتقال وتدرّجه، ومن الجميع أن يلتزموا دعم القرارات المتفق عليها. أمّا التنفيذ، فيحتاج إلى ربط الاتفاق السياسي بقدرة الجيش وموارده ومهامه المحددة في كلّ مرحلة، إذ لا يمكن تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية سدّ خلاف تركته القوى السياسية بلا معالجة، أو تكليفها أهدافًا من دون توفير شروط إنجازها.
تفتح دعوة جنبلاط بابًا لمعالجة المأزق، لكنّ قيمتها ستتحدّد بما تفعله السلطات التي حمّلها مسؤولية المبادرة. فإذا وضعت مرجعية واضحة، والتزامات متبادلة، ومراحل تنفيذ تتابعها المؤسسات، أمكن للحوار أن يوفّر للدولة قدرة سياسية تحتاج إليها لمعالجة السلاح الموجود. أمّا إذا انتهى المشاركون إلى تجديد مواقفهم من دون
التزام بخطوات محدّدة، فستبقى الدولة أمام المشكلة نفسها: قرار بحصرية السلاح، وخلاف يمنع تنفيذه.