يواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون اعتماد سياسة هادئة في مقاربة الملفات السياسية الداخلية، بالرغم من أنه تحوّل خلال المرحلة الأخيرة إلى أحد أبرز أطراف المواجهة السياسية مع "
حزب الله". غير أن هذا التحول لم يدفع عون إلى تغيير أسلوبه أو الانجرار إلى سجالات مباشرة، بل يبدو أنه يفضل إدارة المواجهة وفق حسابات دقيقة، تتيح له تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية التي تتجاوز الخلاف القائم مع "الحزب"، وتصل إلى إعادة رسم موقع رئاسة الجمهورية في المعادلة
اللبنانية.
وبحسب قراءات سياسية، فإن عون يضع أمامه ثلاثة أهداف أساسية، يبدو أنه يسير تدريجيا نحو تحقيقها، مستفيدا من الظروف الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية التي تمنحه هامشا سياسيا لم يكن متاحا للرئاسة خلال السنوات الماضية.
الهدف الأول يتمثل في تحوّل عون إلى مرجعية مسيحية شعبية، وليس مجرد رئيس للجمهورية يحظى بدعم المؤسسات الدستورية. فالمسار الذي يعتمده، ولا سيما في الملفات السيادية والعلاقة مع "حزب الله"، يبدو أنه يلقى تأييدا واسعا داخل جزء كبير من الشارع المسيحي، بما يتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية. وهذا الواقع، في حال استمراره، قد يمنح عون قدرة فعلية على فرض إيقاعه السياسي على القوى المسيحية الأساسية، ووضع خطوط حمراء يصعب عليها تجاوزها.
فالرئيس لا يسعى بالضرورة إلى إنشاء
تيار سياسي أو منافسة الأحزاب المسيحية على قواعدها الشعبية، لكنه يعمل، بصورة غير مباشرة، على جعل هذه القوى مضطرة إلى مراعاة موقفه وعدم الخروج عن السقف السياسي الذي يرسمه. وفي حال نجح في ذلك، فإنه سيكون قد تحوّل إلى مرجعية قادرة على التأثير في خيارات الأحزاب المسيحية، وربما إلزامها بمواقف لا تتطابق بالضرورة مع حساباتها الخاصة.
أما الهدف الثاني، فيرتبط بإعادة بناء العلاقة بين
لبنان والولايات المتحدة الأميركية على أسس أكثر متانة. فعون، الذي يمتلك علاقات طويلة مع المؤسسات الأميركية، يدرك أهمية تحويل هذه العلاقات إلى رصيد سياسي للدولة اللبنانية. ومن هنا، يبدو أنه يسعى إلى إقناع
واشنطن بأن لبنان يمكن أن يشكل جزءا من مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وأن الحفاظ على استقراره ودعم مؤسساته يجب أن يتحولا إلى أولوية أميركية فعلية.
واللافت أن عون لا يريد الاكتفاء بالحصول على دعم أميركي ظرفي، بل يسعى إلى بناء علاقة مستدامة تجعل واشنطن أكثر انخراطا في الملفات اللبنانية، سواء على مستوى دعم الجيش والمؤسسات أو ممارسة الضغوط اللازمة لمنع انهيار التوازنات الداخلية، وصولا إلى محاولة توظيف هذه العلاقة في مواجهة الاعتداءات
الإسرائيلية.
ويبقى الهدف الثالث، وربما الأكثر أهمية بالنسبة إلى عون، استعادة جزء أساسي من هيبة رئاسة الجمهورية التي تراجعت خلال العقود الماضية، وإعادة تكريس موقع الرئيس بوصفه شريكا أساسيا في صناعة القرار، لا مجرد طرف يتعامل مع التوازنات التي تفرضها القوى السياسية الأخرى.
وهذا الهدف يحمل بعدا مسيحيا واضحا، باعتبار أن تعزيز موقع الرئاسة يعني، في الحسابات السياسية اللبنانية، استعادة جزء من النفوذ المسيحي داخل المؤسسات الدستورية وفي إدارة الدولة.
وعليه، فإن هدوء عون لا يعكس بالضرورة غياب الطموح السياسي، بل ربما يكون جزءا من استراتيجية أوسع تقوم على تحقيق مكاسب متراكمة من دون الدخول في معارك استنزاف مبكرة. وإذا تمكن من الجمع بين الشعبية المسيحية والدعم الأميركي واستعادة هيبة الرئاسة، فقد يصبح واحدا من أكثر الرؤساء تأثيرا في إعادة تشكيل التوازنات السياسية اللبنانية خلال المرحلة المقبلة.