وجه مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، رسالة إستهلها قائلاً: "أيّها الإخوة المسلمون، أيها الإخوة المواطنون، أيها الإخوة الأكارم في طرابلس والشمال وفي لبنان وفي كل مكان، أحييكم إبتداء بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأهنئكم وأبارك لكم بخير الشهور وأفضلها، وهو شهر الله تعالى، شهر رمضان المبارك الذي هو شهر خير وبركة، وشهر يمن وعز وتوفيق وعبادة وطهارة وتسامح ومحبة وتراحم بين جميع الناس، رمضان هذا الشهر الكريم هو الذي قال عنه النبي "يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك"، فيه ليلة خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر لأن الله عز وجل قد أنزل فيها القرآن".
وأضاف: "شهر جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه إلى الله تعالى بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة في ما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة في ما سواه، وهو شهر يضاعف فيه الثواب والأجر، ويضاعف فيه العطاء من الله تبارك وتعالى، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، ويقول النبي "من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار"، ويقول أيضا "من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مزقة لبن"، ورغم أن التمرة وشربة الماء ومزقة اللبن ربما لا تكون الحاجة إليها شديدة ولكن النبي أراد منا أن نتواصل مع بعضنا وأن نتهادى وأن نتحابب وأن نتراحم، فالتواصل والتحابب سبب للمودة والوئام وللتقارب والألفة مما يجعلنا أمة واحدة وأمة متراحمة وأمة متسامحة ومتغافرة".
وتابع: "كل واحد منا يحب للآخر من الخير ما يحبه لنفسه، ثم يختم النبي حديثه قائلا "وإستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما. أما اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلآ الله وتستغفرونه،أما اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، كأن النبي وهو يبين لنا فضائل هذا الشهر الكريم يريد منا أن يكون قلبنا حيا بطاعة الله عز وجل، وحيا بذكر الله تبارك وتعالى وأن تكون ألسنتنا رطبة بذكر الله تعالى وبالإستغفار وبالدعاء".
وأردف: "هذا الشهر الكريم الذي قد أظلنا، ونحن في أول يوم من أيامه قال فيه النبي "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل". هذا الشهر ينبغي على الناس أن يشدوا فيه عزائمهم ليصوموا نهارا وليقوموا ليلا وليملؤوا أوقاتهم بالذكر والدعاء وبتلاوة القرآن الكريم".
وقال: "رمضان هذا الشهر يقول فيه النبي "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النيران وصفدت الشياطين ونادى مناد أيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر إقصر"، شهر يعود فيه الناس إلى ضمائرهم وإلى فطرتهم وإلى إيمانهم فيزداد إقبالهم على الله تعالى وتمتلىء مساجدهم بالمصلين وتضج السماء بالدعاء والإستغفار وبتلاوة القرآن الكريم، رمضان هذا الشهر الكريم يقول فيه النبي "اعطيت أمتي في رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي، أما الأولى فإنه إذا كانت أو ليلة من لياليه نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لم يعذبه ابدا، وأما الثانية فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة، وأما الثالثة فإن رائحة أفواههم حين يمسون تكون أطيب عند الله من ريح المسك. وأما الرابعة فإن الله تعالى يأمر جنته فيقول لها تزيني لعبادي فقد أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة من لياليه غفر الله لهم جميعا"، هذا الشهر خص بالفضائل وبالخيرات وبالبركات وخص بالثواب وبالأجر بما لم يكن لشهر سواه لأنه شهر الله ولأنه شهر النصر ولأنه شهر التمكين ولأنه شهر الآلاء والخير والنعم".
وأضاف: "رمضان خص الله تعالى به هذه الأمة المباركة فنصوم نهارا، والصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب اي الإمتناع من آذان الفجر إلى آذان المغرب عن كل طعام وشراب، وذاكم هو صيام العامة من الناس. أما صيام الخاصة فهو الإمتناع عن الصخب عن بذاءة القول عن الكذب عن شهادة الزور، أن تصوم الجوارح، أن تصوم الألسن وأن تصوم الأعين وأن تصوم الآذان وأن يردد الإنسان كلما دخل عليه جاهل فنال منه أو آذاه فليقل (إني صائم، إني صائم) لقول النبي "إذا كان يوم صيام أحدكم فلا يصخب ولا يجهل وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم".
وتابع: "عرفتم صيام العامة وصيام الخاصة. أما صيام أهل الولاية والورع وأهل التقى والإيمان فهو صيام الجوارح وصيام القلب والنوايا، فالصيام هو الإمساك عن كل ما يشين وعن كل ما يجرح وعن كل ما يستحي الإنسان من ظهوره على الملأ. لذلك، كان الصيام محض علاقة بين الإنسان وربه ولقد جاء في الحديث القدسي (كل عمل لآدم له إلآ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)".
وأردف: "يقول النبي "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" لأن الغاية من الصيام كما بينت الآية الكريمة (يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، وحقيقة التقوى أن لا يفقدك الله حيث أمرك وأن لا يجدك حيث نهاك، فحقيقة التقوى هي الإمساك عن المحرمات وهي البعد عن المحظورات وهي الإقبال على الأوامر من صيام وصلاة ومن قيام ودعاء وتضرع وإنابة وعودة نصوح ورجعة إلى الله تبارك وتعالى، فيا أيها الناس فرض عليكم الصيام فصوموا وأحسنوا صيامكم فلقد كان النبي يدعو ربه دائما ويقول "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وأعني على حسن عبادتك. ها هو ذا رمضان قد أقبل وحل علينا مرحبا به، أنعم به من شهر ومن ضيف، أعظم به من شهر ملىء بالخير والبركة والجود والإحسان، وحذاري حذاري من قطيعة الرحم ومن قطيعة الأظافر والعلاقة مع الآخرين".
وختم: "لا يسعني وأنا أوجه رسالتي إلى إخوتي وأخواتي، إلى إخواني رجالا ونساء، صغارا وكبارا إلا أن اذكر نفسي وإياهم بأن نتسامح وأن نتغافر ونتصافح وأن نتلاقى وأن نتعاون على الخير وأن نحسن الصيام ونحسن القيام ونحسن تلاوة القرآن الكريم، وإتركوا الشحناء والبغضاء، وإبتعدوا عن ردات الفعل، أمسكوا جوارحكم، ورطبوها بذكر الله تعالى وحافظوا على صيامكم من أن يجرح ومن أن يصاب بسوء أو يخدش بأذى، وأسأل الله العظيم أن يجعل هذا الشهر المبارك الكريم خيرا لنا ولأهلنا ولبلدنا ومدينتنا بل لوطننا، وأن يجعله شهر خير ويمن وبركة، وأن يجعلنا ممن يحسن صيامه وقيامه، وأن يجعلنا فيه من السعداء المقبولين، وأن يكتب لنا في اوله رحمة وفي اوسطه مغفرة، وفي آخره عتق من النار، وأن يفرج كرب المسلمين في سوريا والعراق وفي فلسطين واليمن وفي لبنان وفي سائر مناطق الدنيا، لأن الإسلام هو رحمة الله إلى العالمين ولأن محمد رسول رب العالمين قال عن نفسه "إنما أنا رحمة مهداة".