هل يتحول قداس الاحد في بكركي هذا الاسبوع "جنازاً" عن "راحة نفس" الفراغ الرئاسي؟
في الرابع والعشرين من الجاري يحيي البطريرك بشارة بطرس الراعي ذكرى ما يعتبره "الجرح الاكبر في قلبه". لقد تعاطى مع هذا الملف انطلاقا من كونه "المواطن الاكثر تحسسا للفراغ الرئاسي ومخاطره". كل يوم يستعيد امامه الصورة القاتمة ذاتها: قصر جمهوري مهجور. في قرارة نفسه يعتبر انه قام بكل ما يمليه عليه ضميره الوطني للخروج من المأزق. لم يوفر وسيلة. جهد في التوفيق بين "كرات النار" كي لا يلغي دور أحد أو يتسبب في وقوع ظلم بحق أحد، ولكن الفراغ غلبه، على الاقل طوال سنة وهي عمر المولود المرذول.
في ذكرى السنة، لن يتخلى بشارة الراعي عن طبيعته. طبيعته كإنسان متفائل بالحياة قبل ان يكون بطريركا ورأس كنيسة، خصوصا في قضية يعتبر انه بمثابة "ام الصبي" فيها. يقول عارفو سيد بكركي انه "لن يتوقف عن الرهان على ضمائر المسؤولين لكي يتحركوا". هل سيستسلم؟ الجواب: "سيبقى كما هو، أي غير محسوب على أي فئة ومنفتح على كل القوى التي يلتقي قياداتها دائما بعيدا من الإعلام. والاهم انه لن يحل مشكلة الفراغ بمشكلة مسيحية كبرى، فهو سيبقى الحَكَمَ والاب الروحي والمرجع الوطني".
في ذهن الراعي دارت الكثير من الافكار حول تحرك تصعيدي أو ما شابه، ولكنه دائما يترك الكرة في ملاعب السياسيين لان اللعبة في النهاية لعبتهم. ومن هذا المنطلق رحب بشدة بمبادرة العماد ميشال عون التي تقوم بـ "برمة العروس" على القوى السياسية. موقف الكنيسة لم يقف عند حد الترحيب، خصوصا ان البطريرك لطالما دعا المعنيين الى الإقدام على اجتراح الحلول لمشاكل البلد وعدم الانتظار لفرج ما من مكان ما في العالم. بل دعا الى ان "تكون المبادرة البرتقالية موضوع بحث أولي في البرلمان وبين الكتل النيابية". وفي سبيل إنضاج هذه المبادرة يعتبر في السياق نفسه انه "آن الأوان للقاء عون - جعجع وإعلان ورقة النيات التي من شأنها تسهيل بقية الامور العالقة نحو الحلحلة وفي مقدمها موضوع الرئاسة وقانون الانتخاب".
يدعو البطريرك، بحسب زوار مقربين، الى إعطاء كل الفرص لدراسة مبادرة عون أو أي مبادرة اخرى قد تطرح في "الاسواق" على قاعدة "اجتراح حلول سريعة لا تتطلب تعديل الدستور. فالاستفتاء الشعبي مثلا يحتاج الى آلية وميزانية، والوقت لا يتسع لحلول كهذه، والاولوية لانتخاب رئيس".
لن يحيد البطريرك عن هذه الاولوية ما بعد "سنة أولى فراغاً". حملها معه في كل جولاته وتحديدا الى فرنسا. بحسب المعلومات، كانت جولة البطريرك الى باريس رعوية بحتة، ولكن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اوعز الى المعنيين برفع مستوى اللقاءات وحظي رأس الكنيسة المارونية باستقبال الرؤساء. هولاند اكد للبطريرك "استعداده للقيام بأي عمل يسهم في تسهيل انتخاب رئيس للبنان، ولأي شيء يطلب من فرنسا ولأي مسعى في أي مجلس". قال الرئيس الفرنسي انه "متألم للفراغ في لبنان وللمخاطر التي تنجم عنه". فردّ البطريرك بأن "المسألة ليست مسيحية أو مارونية بل شأن وطني يعني جميع اللبنانيين".
يقلل كثر من أهمية أي دور فرنسي في هذا الاطار "فصحيح ان فرنسا الام الحنون والعلاقة تاريخية بينها وبين الكنيسة المارونية تحديدا، ولكن لم يسجل في تاريخ لبنان ان كان لفرنسا يوما الفضل في ملء فراغ بعبدا عند حدوثه". لا يفرق هؤلاء كثيرا بين الدور الفرنسي ودور الفاتيكان في المعضلة الرئاسية، عشية الجولة الموعودة للموفد البابوي دومينيك مامبرتي مطلع الاسبوع المقبل والتي لم تحدد محطاتها النهائية بعد.
(غراسيا بيطار الرستم - السفير)