الغرض الأساس من فتح ملف المحكمة العسكريّة ينطلق من كون الحرية والعدالة هما أسمى القيم، خصوصاً بعدما تُرك لهذه الهيئة الاستثنائيّة، بحكم الصلاحيات التي أضيفت إليها على مدى عقود، إمكان الخوض في قضايا لا ينطبق عليها الطابع العسكري.
هذا فحوى كتاب "المحكمة العسكريّة والمحاكمة العادلة: إعادة تحديد الصلاحيّات" للمحامي بول مرقص، الذي وقّعه أمس في بيت المحامي.
سجل المحكمة العسكرية المناقض للعدالة غني؛ منذ أشهر استدعت طفلاً في الثامنة من عمره بتهمة "معاملة رجال الأمن بشدّة"، من دون أن تكبّد نفسها عناء التأكد من أن مثوله أمامها سببه تشابه في الأسماء. الظلم الذي تحمّله ذاك الطفل يضع العدالة الصادرة عن هذه المحكمة في موقع الساقطة، ويشكّك في مدى ملاءمتها معايير حقوق الإنسان، وإبعاد تهمة "خدمة النظام" عنها، نظراً إلى سجلها القمعي الطويل. ففي 2001 استدعت شباب "التيار العوني" للمثول أمام قوسها بتهمة "إثارة النعرات"، وصولاً إلى سوق شباب «الحراك المدني» في الصيف الماضي بتهمة "إثارة الفوضى"، فيما هدفها كمّ الأفواه وقمع الحريّات.
المحكمة العسكريّة بتركيبتها هي خارج أي رقابة قضائيّة، وبحسب تقرير للجنة حقوق الإنسان صادر عام 1997 "هناك ما يستدعي القلق في عملها، ويجب حصر صلاحياتها في القضايا المسلكيّة والتأديبيّة للعسكريين دون أن يشمل المدنيين"، باعتبار أن القضاء العسكري اللبناني يتناقض مع العدالة الدوليّة، نظراً إلى غياب الشفافيّة وحقّ الدفاع وإلزاميّة تعليل الأحكام، إضافة إلى سريّة المحاكمات وتشعّب اختصاصات المحكمة، ومخالفتها الدستور لعدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات واستقلاليّة المحاكم، فهي مرتبطة بوزارة الدفاع ويحتكم ضباطها إلى سلطة عسكريّة أعلى.
العدالة في لبنان إلى تراجع
يتّسم عمل المحكمة العسكريّة بنشاطٍ لافت، فهي أصدرت 6800 حكم عام 2012، ما يطرح إشكاليّة مراعاتها لمعايير حقوق الإنسان في عملها، كون عدد الضباط فيها يفوق عدد القضاة، ولأن رئيسها ضابط وليس قاضياً، ولإمكان تعيين ضباط غير مجازين في الحقوق في مهمات قضائيّة.
نتيجة الدراسات والمقارنة بين أنظمة المحاكم العسكريّة في لبنان ومصر والأردن، بحسب ما ورد في كتاب مرقص، تبيّن أن لبنان يعاني تراجعاً في احترام معايير العدالة الدوليّة؛ ففي وقت يُستدعى مدنيون للمثول أمام المحكمة العسكريّة، حُصر مثول المدنيين أمام المحاكم المصرية بحالة اعتدائهم على مراكز عسكريّة، مع امتناع المحاكم الأردنيّة عن النظر في أي قضية فيها طرف مدني. لا تتوقف المقارنة هنا؛ في لبنان حدّد القانون العسكري عشرة أنواع من الجرائم للنظر فيها، فيما حصرت بأربعة في مصر وبخمسة في الأردن. وفي وقت لا يُعلّل فيه الحكم الصادر في لبنان، يبقى تعليله إلزامياً في مصر والأردن.
توصيات واقتراحات
قُدّم الكثير من مشاريع القوانين الراميّة إلى تعديل صلاحيّات المحكمة العسكريّة، آخرها "مشروع قانون إنشاء محاكم ودوائر متخصّصة بالإرهاب والجرائم الكبرى" قدّمه وزير العدل أشرف ريفي، استند إليه في دراسة القوانين المطروحة قبل الخروج بمجموعة من التوصيات تتضمّن: زيادة عدد القضاة العدليين، وإلغاء صلاحيّة وزير الدفاع الوصي على المحكمة العسكرية، ورفع رتبة القضاة العسكريين وإعطاؤهم ضمانات تكفل استقلاليتهم، وحصر القضايا المحالة إليها بالجرائم التي لها طابع عسكري، وإعطاء صلاحية لمجلس القضاء الأعلى، واعتماد تعليل الأحكام، وتعيين ضباط من حملة الإجازات في الحقوق، مع التأكيد على أن المطلوب ليس إلغاء ولا الإبقاء على المحكمة العسكريّة كما هي، بل تركيز صلاحيّاتها لتطال العسكريين فقط، وأن تقتصر على الجرائم العسكريّة.
محكمة مخالفة للدستور
رغم أن الدستور اللبناني يكرّس مبدأ المساواة بين الأفراد أمام القانون في الحقوق والواجبات، ومبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء، إلّا أن من غير الصائب شيطنة هذه المحكمة بالمطلق؛ فبحسب مرقص، "وجودها قد يكون أساسياً مع التشديد على استثنائيّة هذا الكيان بحيث تكون محاكمة المدنيين أمامها بالغة الضيق مع ضمانات حقوقيّة"، مطالباً "بإخراج ملف المحكمة العسكريّة من دائرة الكيديّة السياسيّة، وإعادة الجدال إلى إطاره القانوني"، علماً بأن ارتباطها بالسياسة رافق عملها في العهود كافة؛ فالرئيس فؤاد شهاب أبدى خشيته من دور هذه المحاكم، وأراد في ستينيات القرن الماضي أن يستعيد القضاء العسكري علّة وجوده، قبل أن يصطدم بممانعة سياسيّة.
(فيفيان عقيقي - الأخبار)