جدد رئيس الحكومة تمّام سلام، في كلمة ألقاها في حفل إفطار "دار الأيتام الاسلامية"، القول إنّ الحكومة فاشلةٌ وعاجزة، وإنّ ما يمنعه من التصرف بما يمليه الوضع، هو فقط المسؤولية الأخلاقية والوطنية، والخشية من دفع البلاد إلى هاوية الفراغ.
وجاء في نصّ الكلمة التالي: كلمة رئيس مجلس الوزراء تمّام سلام
"أصحاب الدولة والسماحة والمعالي والسعادة، السادة الكرام
لشهر البركة في هذه المدينة، عنوانٌ نقصدُه كلّ عام.. فنتذكّر، نحن الغارقين في وحول يوميّاتنا السياسيّة.. العالقين في دوّامة صراعاتنا الصغيرة.. المكبّلين بالحسابات الضيقة والأنانيات.. نتذكّر بأن هناك ما هو أبهى وأكرم وأبقى.
هذا العنوان الساطع للخير بأحلى تجلّياته، وللقيم الدينية الإسلامية بأعمق معانيها، هو حاضنتنا في هذه الأمسية الرمضانية المباركة، أي "مؤسسات الرعاية الاجتماعية- دار الايتام الاسلامية" وأهلُها الذين سطّروا ويسطّرون كل يوم صفحة جديدة مشرّفة في كتاب المحبة والرأفة والتراحم والعطاء الإنساني.
فتحية الى هذه الدار، وإلى رئيسِ عمدتها الاستاذ فاروق جبر ومجلس عمدتها ومديرِها العام معالي الدكتور خالد قباني، وإلى كلّ من يعمل فيها على احتضان الضعيف واغاثة الملهوف ونجدة المحتاج والحنوّ على من ظَلَمَتْهُ الأقدار.
هذه الفضائل هي بعضٌ قليلٌ من القِيَم العظيمة للإسلام السمح، المعتدل، الرحب، الذي يتعرّض اليوم، على أيدي جهلةٍ موتورين، إلى أكبر عملية تشويه في تاريخه. نحن كلبنانيين مسلمين، رفضنا وسنظل نرفض، أيّ سلوك متطرّف يتوسّل الشعارات الاسلامية لنشر العنف وبثّ الأفكار المسمومة، وتدمير المجتمعات وإقامة إمارات ظلامية، هي نقيض نور الاسلام .
نحن كلبنانيين مسلمين، ننبُذُ كلّ أشكال التطرّف والإرهاب والغَلَبة والإقصاء، تحت أي ذريعة كانت، وبأي شعار تزيّنت، ونعتبر أنّ وجودنا هو صنو وجود جميعإخواننا في الوطن.. معاً أقمناه.. ومعاً سنحافظ عليه".
وتابع: "السادة الكرام، منذ أكثر من عامين، شَغَر منصبُ رئيسِ الجمهورية، ولم ينجحْ مجلسُ النواب حتى الآن في انتخاب رئيسٍ جديد. ونتيجة لهذا الوضع غير الطبيعي، غرِقَتْ المؤسساتُ الدستورية في دوّامة من الشلل والتعطيل لم يشهدْها لبنان حتى في أسوأ الأيام.
فبدلاً من أن يجتمع المجلس النيابي بانتظام للقيام بالدور الذي أناطه به الدستور أصبح التئامه نادراً إن لم يكن مستحيلاً. وبدلاً من أن تقوم الحكومة بواجباتها في تسيير شؤون البلاد والعباد، صارت اجتماعاتها مسرحاً للّاجدوى ونموذجاً للعجز والفشل.
نعم.. أنني كرئيس لمجلس الوزراء في لبنان، لم أتردّد في القول إنّ الحكومة فاشلةٌ وعاجزة، وأنّ ما يمنعُني من التصرف بما يمليه الوضع، هو فقط المسؤولية الأخلاقية والوطنية، والخشية من دفع البلاد إلى هاوية الفراغ".
وأضاف: "السادة الكرام، إنّ المشهدَ الوطني الراهن يدعو الى القلق، لأن الدولة مُستًضْعفة وهيبتَها مستباحةٌ وقرارَها في الكثير من الأمور مخطوفٌ إلى حيث يجب أن لا يكون.. لأنّ كثيراً من رجال السياسة فقدوا القدرة على التمييز بين السياسة الوطنية النبيلة، وبين الممارسات الضيقة الأفق التي لا ترى إلّا بعين المصلحة الفئوية مهما كانت الأثمان. لأنّ المدى الذي بلغه الاستهتار بالصالح الوطني العام، بات يهدّد الكيان اللبنانيّ نفسه".
وقال الرئيس سلام: "نعم.. المشهد الراهن مقلق.. إنّ الاستقرار الذي ننعَمُ به، رغم كل ما يجري حولنا منذ خمس سنوات، ليس مُعطى أكيداً وثابتاً ونهائياً، ما لم نعمل على تحصينه. لقد وجَّهْتُ من على هذا المنبر العام الماضي دعوة إلى صحوة وطنيّة.. وها أنا أجدّد النداء، مخاطباً جميع ألوان الطيف السياسيّ، كي لا تكون حكومتُنا آخرَ الحكومات ومجلسُنا النيابيّ آخرَ مجالسِ التشريع في الجمهورية اللبنانية.
إرأفوا بلبنان.... ولا تتركوه على قارعة المصالح الاقليمية والدولية.. إرأفوا بشباب لبنان.. بناتِكم وأبنائِكم.. لا تقتلوا أمالهم والأحلام.. قوموا إلى واجبكم الوطني.. واذهبوا فوراً الى انتخاب رئيس للجمهورية لنعيد النصاب الى المؤسسات والروح الى الحياة السياسية، وننصرف الى بناء بلدنا وحمايته من آثار ما يجري في منطقتنا. وأقول لجميع القوى الشابّة الحيّة في مجتمعنا.. إرفعوا الصوت ولا تستكينوا.. أحلامكم غالية وأفكاركم ثمينة .. انتم مستقبلنا وأنتم بلبنان تليقون".
وتابع: "السادة الكرام، حارسان أمينان نجحا حتى الآن في حماية الهيكل الوطنيّ ومنعِهِ من السقوط... المؤسسات العسكرية والأمنيةبكل فروعها... والمنظومة الاقتصاديّة والماليّة بكل أطرافها. لقد نجحنا حتى الآن، بفضل جيشنا وقواتنا الأمنية، في جبه التحديات الكبيرة. واجهنا الإرهاب وما نزال، وثبّتنا مستوى عالياً من الاستقرار الأمني في الداخل وعلى الحدود.
ونحن، إذ نحيّي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بجميع أجهزتها وفروعها، نشدّ على أيدي ضباطها ورتبائها وأفرادها، على كل ما فعلوه ويفعلونه في مواجهة الارهاب، وعلى الانجازات الكبيرة التي يحقّقونها لتثبيت الاستقرار، والتي كان آخرها حماية وإنجاح الانتخابات البلدية الأخيرة.
لقد ساهمت في انجاح هذه الانتخابات أجواء هيئة الحوار الوطني الجاري في مجلس النواب والحوار الثنائي القائم بين تيار المستقبل وبين حزب الله والذي سحب الكثير من فتائل التشنج من الشارع. وأظهرت هذه العملية الانتخابية تَوْقَ اللبنانيين إلى ممارسة حقوقهمالديمقراطية. كما أن نتائجها وجهت رسائل بليغة الى جميع القوى السياسية، تعكس رغبة الناس في التغيير وعدم رضاهم عما هو قائم.
أما منظومة الأمان الوطني الثانية، فهي تلك التي يمثّلها القطاع الخاص اللبناني، المكافح في وجه الظروف البالغة الصعوبة، خاصة قطاع الأعمال والمصارف الذي شكّل على الدوام الدعامة الاساسيّة للاقتصاد الوطني.
لقد قلت منذ أيام، وأكرّر اليوم، إنّ التعرض للقطاع المصرفي يشكّل مساساً بالأمن القوميّ. ولا مبالغة في القول إنّ المصارف اللبنانية وقطاعات الانتاج السياحي والزراعي والصناعي الصامدة، تحمل على أكتافها اليوم ما تبقى من اقتصادنا الوطنيّ. ولا بدّ لي هنا من توجيه تحية تقدير الى المصرف المركزي الذي يتولى بكفاءة عالية دور ضابط الايقاع وحامي الاستقرار النقديّ والماليّ".
أردف قائلاً: "الأخوة الكرام، في شهر الرحمة.. تذهب أفكارُنا إلى شعب سوريا الشقيق في محنته التي فاقت التصوّر.. إلى من طردهم الظلم والإرهاب من ديارهم، وشتّتهم في الأرض، مكسوري النفوس، مهدوري الكرامات..
..نتوقف أمام هذا البلاء العظيم، آملين أن يحلّ علينا شهر رمضان من العام المقبل، وتكون سوريا العزيزة قد لملمت شَتاتها واستعادت أمنها واستقرارَها، بموجب حلّ سياسيّ يحقّق طموحات السوريين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام وحرية وكرامة.
السادة الكرام
رغم كلّ الصور القاتمة.. مازال الأمل موجوداً...
إِنْ فَقَدْناه في الراهن من أحوال السياسة، فهو قائم في كلّ مكان خارجها ..
في شابّاتنا وشبابنا.. أهلِ العلم وأبناءِ العصر وبُناةِالحلمِ الآتي.
في مدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا ومصارفنا.. الراسخةِ في المصاف العالي..
في القطاع الخاص الناجح والثابت في الأرض.. والمستثمرين المقدامين المنتشرين في كل أرض..
في العمّال والحرفيين وأهل الخبرة في كل مجال..
في مؤسساتنا الاهلية المجنّدة لخدمة الإنسان، وفي المقدمة منها مؤسسات الرعاية الاجتماعية- دار الايتام الاسلامية.
بفضل كل هؤلاء.. بفضلكم.. مازال الأمل موجوداًوالمستقبل واعداً.
كل عام وانتم بخير".