زحمة السير الخانقة التي يشهدها يوميا طريق جونية- بيروت بشكل متواصل، ليست سوى معاناة يومية لسالكي تلك الطريق. فما قبل نفق نهر الكلب ليس كما بعده. فالنفق الذي يشكل فاصلاً بين اوتوستراد بمواصفات جيدة وآخر قديم أشبه بعنق الزجاجة نظراً لضيقه، تعبره يوميا مئات آلاف السيارات لترتفع وتيرة الزحمة في ساعات الذروة وعند توقيت مرور الشاحنات.
سنوات طويلة والازمة تتفاقم، الى حين تمّ الاعلان عن "بشرى" مشروع قانون يقضي بتوسيع اوتوستراد جونية، تحت عنوان "مشروع اوتوسترادات لبنان المرحلة الثانية".
أموال التعويضات
واذا كان المشروع المنتظر يحمل فرجا لسالكي طريق جونية- بيروت، فإن ثمة متضررين ممن رفعوا الصوت عاليا خشية قطع باب رزقهم. وبين مرحب ومتحفظ يطمئن النائب نعمة الله أبي نصر في حديث لـ"البلد"، الى حسن سير الاجراءات المتعلقة بتنفيذ المشروع، شارحاً تفاصيله.
مشروع قانون التوسيع سيتم من خلال قرض من البنك الاوروبي قيمته 75 مليون يورو، وتمت الموافقة عليه في الهيئة التشريعية. وأحيلت من قبل وزارة المال، ولو بعد فترة انتظار، أموال التعويضات والاستملاكات التي سيتم بموجبها شراء العقارات الموجودة في مكان التوسيع، وقيمتها 40 مليون دولار".
ويضيف: "هذا المخطط سينفذ من قبل مجلس الانماء والاعمار وتفاصيله تقضي بإنشاء ثلاثة خطوط سريعة على كل مسلك بعرض 11 متراً مع طريق حيادية بعرض 5.5 امتار كخط خدمة امام المحال التجارية مفصولة عن الاوتوستراد بجدار تتخلله معابر للدخول والخروج وذلك لتفادي زحمة السير".
وبحسب معلومات أخرى سيتم تباعا ترميم جسور الطرق وتوسيعها وإعادة بناء بعضها، وجسور للمشاة، وهذا يعني ان الجسر الموجود على حدود كنيسة سيدة النجاة لن يبقى وحيداً بل سيتم انشاء جسور أخرى ومحول في منطقة الكسليك مما سيقلص من حوادث الصدم على الاوتوستراد ويبعد شبح الموت.
طرقات بديلة
وحتى انتهاء الاشغال سيتم تأمين طرق بديلة، حيث سيصار الى تزفيت طريق سكة القطار القديمة وتأهيلها لمرور السيارات الى جانب طريق طرابلس القديمة، وهذه الطرقات ستحمل عبء سيارات لم يكن للاوتوستراد القدرة على استيعابها.
المرحبون بالاوتوستراد الجديد ينتظرون انتهاء اعماله على أحرّ من الجمر وهو الذي سيوفر عليهم معاناة الزحمة اليومية التي تحمّلوها لسنوات، لكن ثمة متضررين من اصحاب المحال التجارية ممن ختم على متجره ام مبناه بعلامة حمراء في اشارة الى ان هذا العقار سيتم الاستغناء عنه بسبب تنفيذ المشروع.
تقول رلى وهي من سكان منطقة غزير ان "هذا الطريق ينعكس سلبا على عملي في بيروت بسبب التأخر وهدر الوقت اليومي حيث أقضي حوالى 50 دقيقة للوصول الى منطقة الدورة اضافة الى الإجهاد النفسي والجسدي الذي يسببه لي" متمنية ارتفاع فرص العمل في كسروان لتجنب كل هذه الزحمة اليومية. ويشاطرها طوني الرأي ويتمنى لو يصار الى تنفيذ هذا المشروع على ايامه لا في زمن أحفاده، ويقول : "لا أصدق حتى اللحظة أن من المعقول اتمامه بعد سنوات عديدة من التداول به"، متسائلا: "لم تمّ اعطاء رخصة في الأساس للتجار المتعدين والاستكمال بها في حين كان هذا التعدي يتم؟".
تضرر التجار
أما رامي القاطن في منطقة طبرجا وهو يسلك الطريق ذاتها يوميا منذ أكثر من 20 عاما قاصدا مقر عمله في منطقة الحمرا ما يعني ان معاناته مزمنة مع "زحمة سير قاتلة"، فيقول: "من لا يمرّ بها لا يمكنه تصور حجم المعاناة التي يعيشها سالكها".
لكن للتجار المتضررين موقفًا آخر، اذ يتخوف هؤلاء من نتائج مأزومة كفقدان لقمة عيشهم اضافة الى توقف عملهم حوالى السنة ونصف السنة ما يؤدي الى "خربان بيوت" على حدّ قولهم. ويكشف صاحب سلسلة متاجر على جانب اوتوستراد جونية أن "من اهتمامي توسيع الاوتوستراد، فلا أنا ولا غيري بمعزل عن الاختناق بزحمة السير والتضرر منها امام محاله، لكن الحل لا يكمن ببناء جدار فاصل". ويتساءل عن سبب التخلي عن هذا الجدار، عند توسيع اوتوستراد جل الديب والتمسك به في كسروان "منطقة المسيحيين"، على حد قوله. ولا تتوقف المسألة عند ذلك، بل يذهب المعترضون أبعد من ذلك، باعتبارهم انّ الهدف من هذا الجدار قطع أرزاق التجار وتعطيلهم عن العمل مما سيرفع من نسبة البطالة، والقضاء على حيوية المنطقة.
توقف الباصات
لا يخفي هؤلاء المتضررون من مشروع الاوتوستراد انّ محالهم تسجل عدداً من المخالفات، على الرغم من انّه تمت تسوية الوضع القانوني للبعض منها، لكي تصبح شرعية. الى ذلك، اشكالية اخرى تُضاف الى تلك المسألة، باعتبار انّ عدداً من تلك المحال قد أُعطيت الرخص منذ أكثر من 40 سنة، عندما كان وضع الاوتوستراد مختلفًا تماماً عما هو عليه اليوم، وهنا يتساءل معنيون: "ما ذنبنا جراء هذه الفوضى، هل نتحمل فقط نحن المسؤولية، ونكون كبش الفداء؟". فالمحال التجارية لا تشكل وحدها السبب الرئيسي في الازمة، ويمكن تعداد مجموعة من العوامل الاخرى التي تسهم في تفاقم الازمة، ومنها: توقف الباصات المفاجئ، وتوقيت سير الشاحنات، اضافة الى تأهيل الطرقات وغياب النقل المشترك. ويتابع صاحب محل آخر، انّ لو كانت أزمة السير ناتجة من المحال فقط، لما شهدناها على اوتوستراد جل الديب وغيره. اما موضوع التعويضات فلا يزال مبهما بالنسبة للمالكين والمستأجرين بشكل تام على حد قوله، اذ اقتصر على زيارات كشف واسئلة من قبل أفراد من البنك الأوروبي ومجلس الإنماء والإعمار.
الخطة A2
امّا الحل وبحسب كثيرين، فيكمن في الخطة A2، فما هي هذه الخطة؟ يتحدث ابي نصر عنها، معتبراً انّ الحل لزحمة السير يجب أن يكون فوق كل اعتبار "ونحن ننتظر الخطة A1 منذ سنين"، ليعود ويجزم بانّ "التجار لن يتأثروا بهذا الشكل السلبي ولهم طريقهم الجانبية. أما بالنسبة لمشروع A2، القائم على نفق يمر من نهر الكلب نحو طبرجا، فيحتاج الى تمويل أكبر لتنفيذه، وهو لا يزال حبرا على ورق". اذاً، فالخطة A2 تحتاج الى مزيد من الوقت لتنفيذها، وهو ما ليس بمتوفر، ويبقى البديل الوحيد هو تنفيذ الخطة الاولى.
قبل ايام كان الحديث سيانا على الطاولة، لكن بعد استقالة عدد من الوزراء من وزير العدل اشرف ريفي الى وزير الاقتصاد الان حكيم وفي ظل غياب رئيس الجمهورية، تعدّل هذا السيناريو وبدأت أصداء الخوف من أن يقبع كغيره من الملفات في أدراج المجلس، تنتشر بين السكان، معطوفة على خيبة أمل. وفي هذا السياق، يؤكد النائب أبي نصر "أن المشروع قائم وسينفذ، ولا اشكالية قانونية تترتب عليه نظراً للتطورات الحكومية الاخيرة. والخطوة الاخيرة التي يجب ان تُنفذ هي بانتظار تبليغ مجلس الوزراء، مجلس الانماء والاعمار بالمشروع ليعتبر نافذاً، وهو ما سيترجم قريباً".
(مايا عيد -
البلد)