تشاركت بعض وسائل الإعلام أمس الأول مع شبان ثلاثة في الاعتداء على فتاة قاصر من مدينة طرابلس، إثر نشر كامل هوية المعتدى عليها من دون استئذانها والوقوف على رأيها في مجتمع تدين تقاليده الاجتماعية وأعرافه الضحية قبل الجاني في مواضيع حساسة كهذه.
وفي التفاصيل، أن ثلاثة شبان قاموا باغتصاب فتاة قاصر من طرابلس (16 عاماً) بعد استدراجها من مكان سكنها والتغرير بها ونقلها إلى منطقة ضهر العين في الكورة. وفور شيوع الخبرـ المأساة، قامت بعض وسائل الإعلام بنشر اسم الضحية كاملاً مع مكان سكنها وظروفها العائلية، ما ضاعف من صدمتها النفسية التي تعاني منها نتيجة الاعتداء عليها.
وقد هزت الجريمة مدينة الفيحاء ومعها كل لبنان، كما أدت إلى وفاة والدة أحد المعتدين التي أصيبت بأزمة قلبية بعدما عرفت بفعلة ولدها الذي شارك في الجريمة. كما صدرت ردود فعل غاضبة خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث دعا ناشطون إلىى الاعتصام أمام قصر العدل في بيروت تحت عنوان "حارب الاغتصاب" عند الخامسة والنصف من عصر اليوم الثلاثاء. وترك الاعتداء تداعيات كارثية على الفتاة الضحية التي أصيبت بانهيار عصبي وبالتهابات حادة وأذى جسدي. وأدخل جدها الذي يرعاها منذ طفولتها الى المستشفى بسبب تعرضه لأزمة قلبية. كما وسيطرت حالة من الرعب على كل رب أسرة خوفاً على أولاده وبناته إلى حين اتضاح الصورة ومعرفة حقيقة ما حصل.
واستغل ثلاثة شبان في العشرينيات هم "خ. م" و"ح. د" و"ن. د" القاصر اليتيمة الأم وانشغال والدها بالعمل خارج لبنان، فغرر بها أحدهم ثم اصطحبها يوم الجمعة الماضي برفقة صديقين له ليعتدوا عليها بشكل جماعي، تحت تأثير المخدرات التي ضبطت في الشقة، موقع الجريمة، في ضهر العين في قضاء الكورة بعدما استدرجوها من طرابلس حيث تقيم. وترك المعتدون ضحيتهم في وضع صحي سيئ قبل أن تعود الى منزل جدها، حيث بقيت يومين قبل ان تنتبه عمتها إلى وضعها وتصطحبها يوم الاحد الى طبيب نسائي للكشف عليها. وتبين ان الفتاة تعاني من انهيار عصبي ونفسي ومن أذى جسدي بالغ والتهابات حادة.
وبعد انفضاح الامر وعودة الفتاة مع عمتها الى منزل جدها، تعرض الأخير لنوبة قلبية، وادخل الى المستشفى لبعض الوقت، في حين جرى نقل الفتاة الى المستشفى لتلقي العلاج، قبل أن تعود إلى المنزل مجددا بحالة نفسية سيئة، ازدادت سوءا بعدما تناولت بعض وسائل الإعلام اسمها كاملا، من دون مراعاة خصوصية وضعها وظروف حياتها والتقاليد التي يخضع لها مجتمعنا.
ولم تنته تداعيات الجريمة حيث شيعت والدة احد الجناة، التي دفعت ثمن جريمة ابنها، فماتت حسرة وصدمة، في وقت اصدرت فيه العائلة بيانا تبرأت فيه من ابنها وطالبت القضاء المختص بانزال العقوبة التي يستحقها به وبمن معه، في وقت لم تهدأ فيه موجات الاستنكار الشعبية والتي اعتبرت الجريمة غريبة عن مجتمع المدينة، مطالبة ان ينال من فعلها عقابهم حتى يكونوا عبرة لمن اعتبر.
وترك الطبيب عاصم معاليقي، ونظرا لحساسية القضية، الأمر للنيابة العامة التي تولت التحقيق بالجريمة بعد أن قبضت مخابرات الجيش على المعتدين. وأدى تناول القضية من قبل بعض وسائل الإعلام بطريقة خاطئة وغير مسؤولة إلى إقفال عائلة الفتاة الباب أمام اي محاولات للتدخل لمساعدتها في وقت يجب أن تحصل فيه على مساعدة نفسية واجتماعية تعينها على العبور من أزمتها خاصة بعد نشر كامل هويتها من دون اسئذانها والوقوف على رأيها وقرارها.
وطالبت شخصيات مدنية، ومن بينها مديرة المشاريع في التجمع النسائي الديموقراطي المحامية منار زعيتر، بعدم اللجوء إلى اي تسويات قانونية، وعلى رأسها الإستناد إلى نص المادة 522 عقوبات والتي من شأنها إسقاط الحقيّن الشخصي أو العام عن المغتصب حيث يسمح القانون اللبناني بوقف التعقب بحق المغتصب ومعاقبته والحكم عليه في حال قام بالزواج من ضحيته. وشددت على إنزال أقصى العقوبات بحق المعتدين والاهتمام بالفتاة القاصر الضحية بما يتيح لها علاجاً نفسياً ومساعدة اجتماعية للخروج من مأساتها ومتابعة حياتها بشكل طبيعي.
(عمر ابراهيم - السفير)