عندما أطلق الرئيس نبيه بري مبادرته الحوارية في شهر آب من العام الماضي، قدّمها كـ"نداءِ استغاثة" للخروج بالبلد الى برّ الأمان. وحدّد جدول أعمالها بسبعة بنود: رئاسة الجمهورية، تفعيل عمل مجلس النواب، تفعيل عمل مجلس الوزراء، ماهية قانون الانتخابات النيابية، قانون استعادة الجنسية، مشروع اللامركزية الإدارية، وتسليح الجيش.استجابت القوى السياسية لنداء بري، وحضرت الى الحوار راضية بجدول جدول أعمال السبعة بنود، وبلا تحفّظات على أيٍّ منها، وبلا تخوّفات من مؤتمرات تأسيسية أو محاولات لنسف «الطائف» أو القفز فوقه. وبالفعل دار الحوارُ دورتَه، ونجح في الاتفاق على تفعيل الحكومة، وفي الالتفاف حول بند الجيش، ولكنه علق وصار يدور حول نفسه عند البنود المتبقّية.
في الملف الرئاسي، داخ المتحاورون وهم يدورون حول مواصفات الرئيس... كلٌّ منهم وضع مواصفات رئيسه وفصّلها على مقاسه، والنتيجة دوران في حلقة مصالح مفرغة.
وفي القانون الانتخابي، تحوّل المتحاورون الى خيّاطين، حمل كلٌّ منهم مقصّه، وصار يطرّز الدوائر ويحبكها وفق مساحته الشعبية والتمثيلية وبطريقة الغائية لكلّ الآخرين.
هنا صار الحوار طبخة بحص، لا بل صار عبئاً حتى على المتحاورين أنفسهم، خصوصاً بعدما لاحظ بري أنّ هناك مَن يتعمّد إقفالَ كلّ الطرق المؤدّية الى قانونٍ انتخابيٍّ جديد يلبّي ولو الحدّ الأدنى من سلامة التمثيل لكلّ الفئات.
اتّهم بري هؤلاء صراحة بأنهم عن قصد أو عن غير يستحضرون قانون الستين، ويخيّرون ويضعون البلد أمام خيارين كلاهما اسوأ من الآخر؛ إمّا قانون الستين الذي يشكل تمديداً بالانتخاب للخريطة النيابية الحالية، وإمّا التمديد للمجلس النيابي الحالي. وقد حسمها بري هنا "يحلم مَن يفكر في التمديد لمجلس النواب، ليكن معلوماً التمديد من سابع المستحيلات، ولو اجتمعت كلّ الدنيا فلن أسير به مهما كلف الأمر".
مع ذلك بقي الحوار تائهاً في حلقة الفراغ ذاتها، حتى كاد برّي يبقّ البحصة ويعلن فشل المتحاورين، إلّا أنّه قرّر ألّا يستسلم لهذا الفشل، وألّا يحقق هدف "المفشِّلين"، فاستعان بالمثل الشعبي القائل "كثرة الدّق تفكّ اللحام"، ودخل على المتحاورين باقتراح الذهاب الى "دوحة لبنانية" تترجم بخلوات متتالية لأركان طاولة الحوار تبحث في الرئاسة والقانون الانتخابي والحكومة، لعلّها تُنتج حلاً، ومنعاً لأيّ تأويل أو تفسير قرّ الرأي على تسميتها جلسات متتالية وتمّت الموافقة بالإجماع على أن تعقد في 2 و3 و4 آب المقبل.
راهن برّي على هذه الجلسات، إذ إنّ جدول أعمالها ليس مُختَرعاً بل هو البنود الباقية من الحوار، وربما يُعثر فيها على مفتاح الحلّ. ولكن كانت المفاجأة بمسارعة بعض الأصوات الى الارتفاع اعتراضاً على تلك الجلسات على اعتبار أنها تقود الى "مؤتمر تأسيسي". والغريب في الأمر أنّ تلك الأصوات هي نفسها التي وافقت عليها على طاولة الحوار، أو هي أصوات حليفة لهؤلاء، أو هي من الكتلة النيابية أو السياسية ذاتها.
لقراءة المقال كاملا
اضغط هنا.
(نبيل هيثم - الجمهورية)