وقّع عدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية العاملة في لبنان "شرعة المبادىء الأخلاقية للبحث العلمي"، بناء على دعوة أطلقها الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة، الذي أوضح في حديث صحافي أن الشرعة لا تضع قيوداً على الباحثين، بل تقدم إطاراً للممارسات السليمة للبحث العلمي. وبرأيه، تثبت الشرعة فاعليتها عندما تبادر المؤسسات الأكاديمية والبحثية الموقعة عليها إلى تشكيل لجان داخلية خاصة بها، لمراعاة التطبيق واعتماد الإجراءات السلبية في حق الباحثين والأساتذة الباحثين الذين لم يلتزموا بما تنص عليها.
هذه الشرعة لن تصبح ملزمة قبل اعتمادها رسمياً من قبل مجلس الوزراء، وهي لم تنشر بنصها الحرفي، بل كل ما سُرب منها لوسائل الإعلام عناوين عريضة تتحدث عن أخلاقيات العمل البحثي العلمي، من دون ذكر حدود وضوابط الأبحاث العلمية، وفي هذا السياق يتخوف عدد من الأكاديميين والعاملين في البحث العلمي مما يمكن أن تحدثه هذه الشرعة من تقييد للبحث العلمي في لبنان، وأن تخبأ عناوينها الأخلاقية الجاذبة المقنعة هذه محاولات لكم أفواه الباحثين على قاعدة "مطلب حق يراد به باطل"، وأكثر ما يقلق الباحثين قول القيّمين عليها أنه سيصار إلى أقلمتها مع "الواقع اللبناني" وما أدراك ما الواقع اللبناني، فقد يرتأي رجل دين أو خطيب أو أي فريق إلى اعتبار عمل بحثي ما أنه يتعارض مع الدين أو مع أية مفاهيم أخرى".
الباحث الدكتور علي حيدر وعبر "لبنان 24" عبّر عن هواجسه من العناوين "المطاطية لهذه الشرعة" التي لم يطلع عليها الأكاديميون لعدم تمكنهم من الحصول على نصها الحرفي "إذا تمّ فعلياً منع أومعاقبة أي باحث لبناني من جراء نشر أي من المنشورات العلمية فإن هذه المعاقبة ستشكل بداية دفن المستقبل العلمي للعديد من أنواع العلوم في لبنان".
حيدر تفاجأ بمقال نشر في جريدة "النهار" حول هذه الشرعة يتحدث عن "عدم تناول أي موضوع في شكل إساءة"، وعن "سلوكيات الباحث الذي يلتزم احترام القوانين والمبادىء"، وعن "لجنة أخلاقية خاصة في كل مؤسسة وعن إطار للممارسات السلمية للبحث العلمي"، وعن "اعتماد الإجراءات السلبية في حق الباحثين والأساتذة الذين لم يلتزموا ما تنص عليه"، وعن "وضع صيغة للشرعة تتطابق مع الواقع اللبناني"، موضحاً أنّ المعايير العلمية المعتمدة عالمياً لطالما شكلت إطاراً التزم به الباحث في العديد من الجامعات اللبنانية، فلماذا اليوم الدخول منها إلى تعقيدات لبنانية داخلية يمكن بطريقة غير مباشرة أن تصب في إطار التضييق على الواقع العلمي في لبنان؟
وأضاف: "أنا لا أنكر أنه سيكون لهذه الشرعة الكثير من الجوانب الإيجابية، لكن أخشى ما أخشاه أن تتحول هذه "الشرعة"، ولو جزئياً، أيضاً إلى أداة حربية تستعمل ضد أي عالم يسمح لنفسه بذكر أفكار تتناقض مثلاً مع الدين، حيث أن "الواقع اللبناني" يذكرنا بأن الدستور اللبناني ينص بإصرار / ولو بين السطور، ولكن بشكل واضح، على أن لبنان دولة "مؤمنة". بعبارة أخرى، من الممكن أن تشهر الشرعة بوجه أي باحث يقوم بكتابة منشورات علمية تدرس مسائل لها علاقة مثلا بالتطور البيولوجي، بنظرية داروين، بعلم تآصل الحياة (أنّ أصل الإنسان قرد وأن الطيور تأتي من الديناصورات)، بأجزاء بعلم الفيزياء تحاول أن تشرح كيف يمكن للكون ان يشكل نفسه بنفسه بشكل تلقائي (دون مساعدة خارجية)، بأن العلم لا يعترف بوجود الروح داخل الأشياء الحية، والكثير من المسائل الشائكة الأخرى".
ونبّه حيدر إلى خطورة الدخول في لجان قد تسمح لنفسها أن تعاقب باحث بناءً على معايير أخلاقية في حال لم يوضح النص الأساس مسبقاً وبدقة عدم صلاحية اللجان بالنظر في مسائل تتعارض مع مفاهيم سابقة، حتى لا نعود من حيث البحث العلمي بالزمن إلى الوراء حتى أيام جاليليو: "فقط خلال السنوات العشر الأخيرة، وفقط عن التطور البيولوجي، صدر عالمياً أكثر من 380 ألف منشور علمي في المجلات العلمية العالمية، فعلينا أن نقرر إذا ما كنا نريد أن نكون خارج إطار أنواع عديدة من البحوث العلمية، وهل نريد القول من خلال بعض ما قد يشوب هذه الشرعة من ثغرات نصيّة أننا دولة "دينية" أيضاً من حيث البحث العلمي؟ وأننا لن نقارب علمياً أية مواضيع قد تتعارض مع الدين؟ هل هذا ما نريده للبنان فعلاً؟" ولوضع حد لما يمكن أن تخلقه هذه الشرعة من بلبلة وثغرات، يطالب حيدر بوضع النص الأصلي لهذه الشرعة بمتناول الجميع قبل إقراره، وإلا فإن ما سرّب منه حتى الآن يُعَدّ "جريمة بحق مستقبل لبنان العلمي". المشكلة لا تكمن فقط في المسائل الشائكة بين العلم والدين، بعض الأبحاث في مجال التاريخ مثلاً يمكن تفسيرها من قبل اللجنة الأخلاقية أنها منحازة أكثر لطائفة ما على حساب أخرى، ... هل ينظر نص الشرعة بدقة بحقوق الباحث بالطعن ضد قرارات الجنة الأخلاقية؟ وما هو مصير الباحث أكاديمياً خلال فترة الطعن؟ وكم ستشكل قرارات اللجنة مجال لإضاعة وقت الباحث عن قيامه بأبحاث علمية مستقبلية؟
مصادر أكاديمية لفتت إلى أن الأمر هو أبعد من نيات د. حمزة التي لا شك بحسنها، لأنه يتعلق بشكل أساس بدقة حرفية النص. وعندما تقرر "اللجنة الأخلاقية" معاقبة باحث ما، لن يستطيع المجلس الوطني للبحوث أن يطبق نياته الحسنة، فتصبح البحوث مقيدة بنصوص تضع حصرية الفعل عند القضاء الذي سيحكم حسب اللمعايير الأخلاقية بدلاً من القانونية. "خوفنا مما يحصل أنهم يأتون بمعايير معتمدة عالمياً ويعمدون إلى قولبتها بما يطابق الواقع اللبناني، وهنا تكمن الخطورة ما يفتح الباب تحت شعار عدم المساس بالمقامات الدينية أمام معاقبة الأساتذة العلمانيين".