أقيم استقبال رسمي وديني وشعبي، للبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في قاعة طائفة الموحدين الدروز في العبادية، حيث كان في استقباله ممثل شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ نعيم حسن الشيخ غاندي مكاري، ممثل رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" النائب وليد جنبلاط هادي ابو الحسن، النائب حكمت ديب، النائب آلان عون، ممثل النائب طلال ارسلان نجله مجيد ارسلان، رئيس البلدية عادل نجد، عضو المجلس المذهبي الدرزي الشيخ عماد فرج، رئيس اتحاد بلديات المتن الأعلى مروان صالحة، فاعليات سياسية وعسكرية ودينية وعدد من مشايخ البلدة والمنطقة والأهالي.
وقد رحب مقدم الحفل مروان النمر بالراعي والوفد المرافق، معددا مزايا البلدة "النموذجية". وقال: "يؤمن أبناء العبادية، في خضم موجة الارهاب التي تجتاح منطقتنا، ان صخرة الحياة لن تقوى عليها شياطين العالم، واننا اما ان نكون معا كجناحي طائر الفينيق او لا نكون، بمنطق الموروث الثقافي الحضاري لا بمنطق الثنائيات والأقليات".
ثمّ ألقى رئيس بلدية العبادية عادل نجد كلمة شدد فيها على أهمية زيارة البطريرك الماروني الى البلدة. وتوجه له بالقول: "بعد 9 عقود من الزمن على زيارة البطريرك مار انطونيوس بطرس عريضة، نعلن من العبادية، ونؤكد شراكتنا الكاملة الثابتة الدائمة معكم ومع رعيتكم. ان بلدتنا المتواضعة يا صاحب الغبطة تعايشت في ما بينها منذ بداية التاريخ كعائلة واحدة، ورغم الصعاب التي مر بها الوطن، وبعد المصالحة التاريخية، عاد الأبناء إلى ربوعهم".
وأضاف: "لقد دأب أبناء هذه البلدة، بعد نهاية الحرب، على تسهيل عودة اخوتهم. ولا زالوا بانتظار اكتمال هذه العودة افرادا ومؤسسات. وكنا نأمل من بعض الذين ولاهم الشعب ليتولوا مساعدته ان يكون لهم دور أكبر ومساهمة عملية في الوقوف على حاجات القرى التي لا زالت تعاني آثار الحرب. نشكركم على زيارتكم الكريمة".
وألقى الشيخ عماد فرج، كلمة مشايخ الموحدين الدروز وأهالي البلدة، فرحب بالحضور، خاصا بالذكر البطريرك الماروني والمطران بولس مطر. ونوه بالزيارة التي قام بها البطريرك انطون عريضة للبلدة العام 1936 "كدلالة على اهتمام البطريركية المارونية بالعبادية منذ القدم" وقال للراعي: "زيارتكم اليوم تضفي على بلدتنا رونقا، وتبارك وترسخ القيم التي عشناها على مر السنين. نتمنى عليكم دعوة الذين تركوا البلدة قسرا ان يعودوا اليها لأنها بحاجة لوجودهم".
وتابع مؤكّداً للراعي أنّ "لقاء المصالحة التاريخي بين البطريرك مار نصرالله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط، سيبقى محطة مضيئة في تاريخنا المعاصر، وانتم مستمرون بهذه المصالحة". وهنأه على تعيينه عضوا في المجلس الحبري للاعلام والتواصل من قبل البابا فرنسيس كدلالة على دوركم الفاعل، والكفاءة والثقافة التي تتمتعون بهما، وتأثيركم البالغ في المنطقة وفي الكنيسة".
وختم قائلاً للراعي: "يؤسفنا، بما يخص الوطن، أنّ جميع نداءاتكم وتمنياتكم لم تلق آذانا صاغية من بعض نواب الأمة لانتخاب رئيس. ونحن نضم صوتنا إلى صوتكم ونقول لهم: إن سكت الشعب عجزا، فالتاريخ لن يسكت ولن يرحم".
بدوره، شكر البطريرك الماروني المتكلمين، وكذلك الحضور من ممثلي أحزاب ورؤساء روحيين، ورؤساء بلديات ومخاتير ومشايخ وآباء، وفاعليات مدنية وعسكرية، وأهالي البلدة . وقال: "نعم، فرحي كبير اليوم بهذا اللقاء، في بلدة التعددية في الوحدة وصورة لبنان الحقيقية، انها أرض معطاء، تعرفنا إلى تاريخها الجميل ونتمنى ان تبقى ارض عبادة وتلاق. هذا ما نحن بحاجة اليه اليوم في بلدان الشرق، ولكن للبنان دور اساسي أكبر من غيره. تنوعنا نعيشه في هذه اللحظة، ليس من الناحية الدينية فحسب، بل من الناحية السياسية أيضا مع وجود كل أطياف المجتمع بيننا".
وأضاف: "الشرق ممزق وهم يريدون من ذلك ان يقولوا انه لا يمكن للناس ان تتعايش. نحن نأسف للحرب المدمرة في سوريا والعراق واليمن، ولكن لبنان مدعو لكي يلعب دور الرسالة بهذا الشرق، لهذا يقتضي علينا المحافظة على هذا التنوع، كما انتم فاعلون. معكم نجدد قولنا من أجل حماية هذه التعددية لكي يكون عندنا رئيس للجمهورية، فالبلد من دونه كقصر من دون أبواب مشرع للسرقة والنهب".
وأردف قائلا: "كلنا نرى ان الاعتداء على خزينة الدولة يتزايد، ويتزايد معه فقر الشعب، ما دفع الكثير إلى الهجرة. وحفاظا على البلد والتنوع، نطالب السياسيين بانتخاب رئيس ليستمر لبنان كصاحب رسالة".
ووجه نداء إلى أبناء العبادية "ليعودوا إلى أرضهم الطيبة، فالقرية هي المدرسة التي تساعدنا على الحفاظ على طهارة ونقاوة شعبنا. من هنا أوجه نداء للبنانيين أن يحافظوا على أرضهم وممتلكاتهم ولا يبيعونها، الأنظمة السياسية تتغير وكلّ شيء يتغير ولكن مالك الأرض سيدها. حافظوا على ارضكم رغم كل الصعاب، ورغم وجود اخوة نازحين عددهم يغرق الشعب اللبناني، ولكن أؤكد لكم ان هناك علامات دولية تشير إلى أنّ لبنان يبقى اللؤلؤة، لذلك يجب المحافظة على مؤسساته وشعبه وتراثه". وختم مشدّداً على أنّه مهما تآمرت السياسات ومهما استعمل الحديد والنار، فلبنان سيواجه هذه التحديات ويبرهن أنّه قادر على تجاوزها". وقدّم رئيس وأعضاء البلدية درعاً تكريمية للراعي الذي بارك الحشود.
قتالة
ولاحقاً وصل الراعي إلى قتالة في قضاء بعبدا، وسط استقبال شعبي حاشد وعزف لفرقة كشافة الأرز، ودخل الى قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان التي هي قيد الإنشاء، ليمنح البركة للمؤمنين والحضور من فاعليات رسمية وإجتماعية.
وألقى المختار طوني أبو حيدر كلمة ترحيبية نوه فيها ب"الزيارة الأولى في تاريخ البلدة لبطريرك ماروني، والتي جاءت اليوم لتؤكد وجودنا المسيحي في هذه المنطقة، وتزرع الأمل والرجاء". وسأل أبو حيدر الراعي "الدعم والبركة لإستكمال بناء الكنيسة"، شاكرا المطران مطر على اهتمامه بأبناء الرعية، وسأله العمل على "تعزيز الوجود المسيحي في قرى الجبل".
ثمّ ألقى كاهن الرعية منير عون كلمة أكد فيها "أن البلدة خالية من المشاكل ولا ينقصها الا الدعم لتشجيع أبنائها على العودة اليها". وقدم للراعي كتابا عن الفن الأيقوني. ثمّ تحدث الراعي فثمن جهود المطران مطر لمساعدة أبناء رعيته على البقاء في الجبل والإهتمام بهم، وقال "قتالة بلدة صغيرة لكنها كبيرة بشعبها الذي بإيمانه أعاد إعمار بيوته".
ودعا أبناء البلدة إلى الحفاظ على أرضهم "لأن المستقبل واعد رغم الظروف الصعبة". وأكد "أهمية التعاون مع الكنيسة والمسؤولين للحفاظ على بلدنا". وشكر فوج كشافة الأرز على مرافقته وعزفه الأناشيد الترحيبية، آملاً أن "تبقى هذه الأرض الطيبة علامة أمل ورجاء لأبنائها، لأنه ليس صدفة أن تتخذ منها مطرانية ببيروت مركزا لإستقرارها".
رأس الحرف
وفي بلدة رأس الحرف، المحطة الثالثة في جولة الراعي الراعوية، قال فيها: "الزرع الجيد هم أبناء الملكوت. القديس شربل الذي نحيي عيده اليوم، هو هذا الزرع الجيد، الذي تكلم عنه الانجيل، لقد زرعه الله في حقل الكنيسة والرهبانية ولبنان تلألأ في الملكوت وفي كنيسة الارض والسماء، ونحن بمعمودية الميرون زرعنا الله في ملكوته، اي في الكنيسة".
وتابع إنّ "لبنان بقديسيه وشعبه ونظامه ورسالته هو زرع جيد في هذه المنطقة المشرقية، ونحن اليوم نصلي مستشفعين سيدة الانتقال ومار شربل لكي يحافظ كل واحد منا على كيانه فيكون الزرع الجيد حيث هو، وان نحافظ على وطننا لبنان ليظل هذا الزرع الجيد في بيئته المشرقية".
وقال: "يسعدني ان نحتفل بالذبيحة الالهية في رأس الحرف، بعد ان بدأنا زيارتنا في العبادية حيث زرنا كنائسها الأربعة وانتقلنا الى بلدة قتالة. نشكر الرب على هذه المنطقة التي تنقت بدماء شهدائها وانطلقت من جديد، والدليل هو هذه الكنيسة الجديدة الشاهدة على ان دم الشهداء هو بذار لحياة جديدة في مجتمعنا. نقدم الذبيحة عن كل من زرناه ونصلي من أجل فيض الخير والازدهار على هذه المنطقة".
وجدد التهاني "للمطران بولس مطر على اليوبيل ال 25، ونصلي للرب ان يواصل رئاسته على الأبرشية بؤازرة كهنة الرعية"، مردفا "كما نحتفل بمرور 15 سنة على المصالحة في الجبل. نذكرها اليوم لنواصل هذه المصالحة بحيث يعود كل ابناء الجبل الى ارضهم ويعيدون الحياة الى الجبل قلب لبنان النابض".
وقال: "لقد اكشفنا هنا شعبا طيبا محبا مؤمنا، وقرأنا ذلك على وجوههم. نشكركم على استقبالكم الحار وكل الجهود التي بذلتموها، ولا سيما على محبتكم العظمى التي تشجعني كبطريرك وتقويني لأن البطريرك يقوى بمحبة شعبه. نحن فخورون بكم في هذه المنطقة، التي أعطت وجوها مشرقة على كل المستويات. لقد عشتم خبرة، الحرب المريرة دمرت بيوتكم وكنائسكم، ولكن بصلابة ايمانكم، نهضتم من جديد".
وأضاف: "وبعودتنا للانجيل، فإن القديس شربل هو رزع جيد زرعه الله في بقاعكفرا فحافظ على نفسه وعاش مخلصا مؤمنا. نما بالقداسة وتلألأ اليوم والى الابد في ملكوت الاب واصبح عابرا للقارات ومعروفا في كل مكان ومكرما من كل الشعوب في القارات الخمس، من خلاله يعرف العالم لبنان، وهو مع القديسين الجدد: نعمة الله، رفقا، اسطفان، يعقوب، الاخوة المسابكيين، يذكروننا اننا ايضا مثلهم يوم اعتمدنا بالماء ومسحنا بالميرون، زرعنا كزرع جيد، وهم يدعوننا لنكون مثلهم، كما اننا مدعوون للعيش على مستواهم ولا شك انهم هم من يحمي لبنان. فلنكن على مثالهم على جوهر طبيعتنا وهويتنا فلا مكان لزؤان الشر والخطيئة والكذب في حياتنا الشخصية، ولبنان مدعو اليوم للحفاظ على قيمته على كل المستويات".
وكرر دعوته الى انتخاب رئيس للجمهورية "من جديد ومعكم نوجه الدعوة الى الجماعة السياسية والنيابية لتتحمل مسؤولياتها، وتصل الى تسوية وتفاهم للخروج من ازمة فراغ الرئاسة بالارادة الطيبة والمسؤولية الوطنية، يمكنهم اخراج البلاد من هذه الأزمة التي تعطل عمل المؤسسات والحكومة وتفتح الباب امام كل نوع من الفساد".
وختم "كلنا مدعو للتكاتف لنحمي هذا الزرع الجديد، الذي اسمه لبنان ليقوم بدوره ورسالته في هذه المنطقة من العالم. معكم نرفع صلاتنا ونسأل الرب يسوع ان يعطينا لنحافظ على طبيعة هذا الزرع الجيد، زرع الحقيقة والمحبة والسلام ونحافظ على وطننا لبنان".