طالت قضية الموقوفين والمطلوبين بأحداث طرابلس، وكَثُرَ الحديث في الشارع الطرابلسي وخصوصا في التبانة عن المظلومية الكبيرة، التي يرزح تحت وطأتها الموقوفون والمطلوبون، بتلك الأحداث في السنوات السبع الدموية (2007 – 2014)، وحيث خاضت المدينة نزاعا دمويا لا طائل منه، فلا أحد حقّق مكسباً، ولا المدينة حقّقت نصراً لا في السياسة ولا في الأمن. وملف الموقوفين والمطلوبين في أحداث طرابلس هو غيره ملف الموقوفين الإسلاميين، ولربما نظرت إليه بعض الشرائح المحلية نظرة واحدة، إلا أنّ المجتمع القانوني في طرابلس والشمال يميّز جيداً بين الملفين.
ويُقسَّم ملف أحداث التبانة - جبل محسن إلى قسمين، الأوّل يتعلّق بمصير الموقوفين، والثاني يرتبط بالمطلوبين، الذين لا يزال الجيش اللبناني والقوى الأمنية تلاحقهم، استناداً إلى مذكّرات عدلية سُطّرت بحقهم، ويتهرّب هؤلاء من تسليم أنفسهم إلى السلطات اللبنانية، بناءً لأمرين الأوّل هربا من التعرّض لمصير من سبقهم من المشاركين في أحداث المدينة، حيث يرى هؤلاء أنّ مظلومية تقع عليهم، وأنّهم بقوا لوقت أطول مما هو مفترض في السجون، كما أنّ هؤلاء المطلوبين معنيون بإعالة عائلاتهم من النسوة والشيوخ والأطفال، ويسألون مَنْ يوجّه إليهم الدعوة لتسليم أنفسهم عن المعيل البديل، فيما إذا هم قاموا فعلا بتسليم أنفسهم مقتنعين بأنّ وجودهم في السجن سيؤدي الى ترك عائلاتهم للمصير المجهول، ولذلك فإنّ مَنْ تبقّى من مطلوبين يتهرّب من تسليم نفسه تاركا هذ الملف مفتوحا على مصراعيه، الأمر الذي يحتاج إما إلى عفو عام لا يمكن التوصّل إليه، إلا من خلال المجلس النيابي أو من خلال محاكمات لا يمكن لها أنْ تنعقد إلا وجاهيا، إذ إنّ الأحكام الغيابية يمكن أنْ تكون غير ملائمة في بعض الأحيان مع واقع الحال، ومع حجم الجرم المنسوب إلى أي موقوف.
والمسألة باتت وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى حلول حاسمة لإقفال هذا الملف بشكل نهائي سواء بالنسبة لموقوفي التبانة أو حتى بالنسبة لموقوفي جبل محسن، طبعا انطلاقا من نظرة قانونية محايدة الى الملف.
وعادت القضية الى الواجهة مع الحديث عن إقفال المكتب القانوني، الذي أسّسه محامون من تيارَيْ العزم والمستقبل بدعم مالي من قبل الرئيس نجيب ميقاتي، حيث كانت مهمة هذا المكتب تصفية القضايا العالقة، والسعي بالتالي الى تمكين المطلوبين من تسليم أنفسهم بعد توفير الدعم اللازم لعوائلهم بمساهمة من الرئيس ميقاتي، وبالفعل أُعلن منذ أسبوع عن افتتاح المكتب قبل أنْ يُعلن بشكل غير رسمي عن إقفاله.
وقد بقيت القضية مطروحة مقابل الخلل الإداري الذي يلزم المحامين في المكتب القانوني بإعادة ترتيب أوراقهم للحؤول دون اعتبار بعضاً من المحامين الذي تولّوا في وقت سابق، ملفات الموقوفين بأنّهم مستهدفون في أرزاقهم أو إنّ النية مبيتة من قِبل تيارَيْ العزم والمستقبل لمصادرة حقهم في الزود عن وكلائهم. وهذا غير وراد قطعا لا بالنسبة للرئيس نجيب ميقاتي ولا بالنسبة للرئيس سعد الحريري. الأكيد أنّ المكتب القانوني في توجّهاته وأهدافه لم يُغلق إنّما احتاج إلى الوقت للتنسيق مع نقابة المحامين، التي وجّهت أسئلة إلى عدد من الضالعين في هذا المكتب عن التفاصيل.
وفيما كانت نقابة المحامين توجّه أسئلة خطية إلى المحامين المعنيين بالمكتب القانوني ومصيره، تخوّفت أوساط شعبية في التبانة من أنْ ينعكس ذلك على مصير الحراك الأخير، الذي علّقت عليه آمال لإنهاء هذا الملف الشائك، وقد تلقف الشارع كتب النقيب فهد المقدّم إلى المحامين مستفسرا ومتخوّفا من تراجع المكتب عن مهمته بعد تدخل النقابة.
وكانت قد جرت منذ أيام اتصالات على مستوى المسؤولين السياسيين والنقابيين في محاولة لوضع الامور على سكة واحدة بما يضمن الاستمرار في دفع الموضوع قُدُما وإقفال الملف بشكل كامل.
وتؤكد مصادر نقابية ان الملف يجب ان يُقفل فعلا، وأن المظلومية يجب أن تُرفع عن اهالي التبانة، لكن السياق السياسي والقانوني هو المعني أكثر بتحديد المخرج المناسب لهذه العقدة .
وبدا مجدّدا أنّ ملف المطلوبين والموقوفين أمام مفترق خطير، فيما الحاجة ملحة لهمّة المكتب القانوني او لجهد مشابه مقابل العمل لإعادة ترتيب الأمور في التبانة والدفع بالتنمية والحركة الاقتصادية لكي يكتمل عقد استعادة الحياة وتتم المصالحات الحقيقية.
(محمد الحسن - اللواء)