مضى.. ولم يشرب نخبه الأخير مع "أصدقائه"، إذ لم يتردد إلى المحل منذ فترة طويلة نسبيا، بسبب حالته الصحيّة المتراجعة. كلّ زبائن المحل كانوا أصدقاءه، إذ غالباً ما طرد أولئك الذين لم يجد قاسماً مشتركاً معهم. التمييز الوحيد ـ ليعرف الجالس على كرسيّ، أن الداخل الجديد، على حظوة عند "أبو إيلي" ـ كان بمناداته "رفيق". تسمية توارثها حين كان في "الحزب الشيوعي". وبالرغم من استقالته من عمله العسكري، إلا أنه بقي "رفيقا".. الرفيق هذا، ذو مروحة واسعة: يمكن له أن يكون ماركسياً أو لينينياً أو تروتسكياً أو ستالينياً أو ماوياً.. أي يمكن لكلّ الأضداد "الشيوعية" أن تقبع في قلب أبو إيلي، وبمحبة.
محبته هذه كانت تفيض على من يختاره من "رفاق" دائمين، أي الذين يترددون إلى المحل باستمرار، ليأخذهم إلى بيته في برج حمود، حيث تستمر الجلسة أيام العطل والاجازات.. كأنّ لا فرق بين المكانين: المحل يتحول إلى بيت، إذ غالباً ما تأتي تيريز (أم إيلي) بما تطبخه كي يتشارك بعض "المقرّبين" بالطعام، والبيت يستقبل الرفاق الذين يطيلون "القعدة" إلى ساعات الصباح الأولى، ومن لا قدرة له على الانصراف، كان "يبيت" هناك وينام.
لم يؤسس أبو إيلي "دكان شراب"، بل سرعان ما تحوّلت هذه البقعة الصغيرة، إلى "جمهورية خرافية". من الصعب أن يأتي أحد إلى بيروت ولا يسأل عنها.. وعنه. مثلما كان من الصعب على أي "يساري" شاب أن لا يمرّ من هناك، فهو إن لم يفعل ذلك، لن يحظى بـ "معموديته" التي تخوّله أن "يستقيم" في الحياة والنقاش، مثلما سيبدو "خائناً" لـ "مبادئ" لم تعد واضحة مع مرور الزمن. كانت الصور المعلّقة على جدران المحل كما على بابه الزجاجي، تضفي نوعاً من سحر: من ماركس ولينين، إلى فيروز وزياد الرحباني، ومن بابلو نيرودا إلى كمال جنبلاط.. وغيرهم الكثير، بالإضافة إلى جميع أصناف العملات الورقية التي تشير إلى بلدان وأسماء، تركت بعضاً من ذكريات مرور أصحابها على هذه "الجنّة الأرضية" التي كان أبو إيلي يرفض أن تتلوث بوحل الطائفية. هذه هي "الوصيّة" الأولى ـ من جملة وصايا ـ كتبها بخط يده وعلّقها على مرأى من الجميع.
كانت حانة "أبو إيلي" تقف بين أكثر من مسافة: هناك من يأتي ليبحث عن أحلام سياسية وفكرية، كبيرة، ضاعت مع تزاحم "غزوات" السياسات الخارجية، لهذا كانوا يستعيدون مع أغاني الشيخ إمام ـ ملك الجلسة من دون منازع - متنفساً وأضغاث رؤى وثورة مؤجلة باستمرار. وهناك من يأتي بحثاً عن هذه "الإكزوتيكية" التي لم يعد يجدها في بلاده، ليراها موجودة بأسرها في هذه الأمتار القليلة التي تبلغها مساحة المكان. فئة ثالثة تأتي للشراب، ببساطة، إذ كان كأسه "كأساً حقيقياً"، بمعنى أنه الأكرم بسكب المشروب ملحقاً بصحن "مازات" متنوعة لا تجده في أي مكان في العالم، ولا بأس أيام السبت في أن تجد الكبّة واللحوم النيئة وكأنها استعادة مقدّسة لذكرى من مات في الحرب، أو من تاه على طريق "الخلاص".
يمضي أبو إيلي.. يغادر صباحاتنا، التي كنّا ننتظر مساءاتها كي نذهب إليه. ذهاب يبدو بمثابة "تحصن" ضد أشياء ظننا أنها موجودة.. لكن ما هي في واقع الأمر؟ ليس وقت السؤال.. بل وقت حرقة على شخص صاغ الكثير من أوهامنا المشتركة.
(اسكندر حبش - السفير)