من الرئيس العام الأول للرهبانية اللبنانية المارونية (البلدية) في العام 1695 المطران جبرايل حوا، إلى الرئيس العام الحالي الأباتي طنوس نعمه (2010 – 2016) ثلاثة وستون رئيساً عاما على مدى 315 سنة، كان لهذه الرهبانية ولغيرها من الرهبانيات الأثر الروحي الفاعل في لبنان وبلاد الإنتشار، ومن خلال العلاقة الروحية والإجتماعية بين الأديرة وجمع المؤمنين على مدى سنوات طويلة، حيث تحوّلت هذه العلاقة إلى ما يشبه الحياة المشتركة روحياً بين الرهبان والعلمانيين، فكان الإشعاع الروحي ينتشر من قلايات الرهبان والحبساء إلى كل أرجاء الوطن، فكان من بينهم قديسون وطوباويون ومكرّسون ومكرمون، عرُف منهم القديسان شربل ونعمة الله والقديسة رفقا والطوباوي الأخ اسطفان، وكثيرون غيرهم رقدوا برائحة القداسة. وكان الألتزام بالقوانين الرهبانية طريقاً للخلاص، من خلال طاعة الرؤساء، وتجرّد عن خيرات هذا العالم بفقر مترافق مع اعمال يدوية حوّلت الصخر إلى جنائن خضراء، وعفّة النفس والجسد قربّت من نذر نفسه للصلاة والصوم والتقشف إلى أصناف الملائكة.
وبهذه النذور الثلاثة، التي جعلت من الراهب يتفاعل مع محيطه بأعمال الرحمة، استطاعت الرهبانية وكل من انخرط فيها قبلة المؤمنين، الذين كانوا كانوا يطلقون على الراهب لقب "معلّم"، لأنه كان يعلّمهم كل أصناف الأعمال اليدوية والحرفية، وهي التي قرّبتهم إلى ربهم في صلاة متواصلة.
ويبلغ عدد اديار الرهبنة ومؤسساتها في لبنان حوالي 70 يضاف اليها 13 ديراً ومؤسسة في الانتشار توفر العمل لحوالي 4000 موظف اي 4000 عائلة لبنانية، ويشكل دير عنايا بهذا المعنى ابلغ دليل على تأثير الرهبانية على محيطها حيث يعمل فيه 400 موظف وعامل يشكلون جزءاً اساسياً من سكان منطقة اعالي جبيل.
ولكن ومع دخول الرهبانية في جو الحداثة وتطور الحياة بدأت الحياة الرهبانية تفقد شيئاً فشيئاً بعضاً من الحياة الديرية، وبدأ الوهن يدّب في حياة بعض الراهبان، الذين تأثروا بمحيطهم، بدلاً من أن يؤثّروا فيه، فأصبحت النذورات لدى البعض شكلية، ولم تعد سمة من سمات الحياة الرهبانية. ويُرجع بعض الرهبان، الذين ينظرون إلى الواقع الرهباني الحالي المتفلت من الضوابط هذه الحالة إلى عدّة عوامل كان لها الأثر السلبي على الحياة الرهبانية كما عاشها الرهبان على مرّ الأزمان.
ومن بين هذه العوامل التي ساهمت في تفشي هذه الحالة غير الصحية، ومنذ ردح من الزمن، بات التساهل في تطبيق القوانين الرهبانية عنواناً لمرحلة الإنفلاش، فأصبح لمعايير العفة والطاعة والفقر مفاهيم نسبية تتماشى مع تطور العصر، بحجة العصرنة.
ويروي أحدهم نقلاً عن أحد الكرادلة، الذي كان قد زار لبنان وكانت له لقاءات مع عدد من الاساقفة والاكليروس، أنه لم يذق في حياته طعاماً فاخراً كالذي قُدّمه له هؤلاء، ولم ير هذا الكّم من السيارات الفخمة كتلك التي يملكونها، ملمحاً إلى حياة التجرد التي يعيشها البابا فرنسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية.
وبناء على مشاهداته تكون لديه انطباع عن واقع حياة رجال الكنيسة في لبنان نقله إلى قداسة البابا فرنسيس، على ما عُلم، بهدف ان يكون هناك تشدّيد على الجميع، وخاصة الرهبان والراهبات، وبالاخص الاساقفة، على عيش حياة التقشف على مثال من كرسّوا حياتهم للرب.
وعليه، وبعيداً من إمكانية أن يكون للفاتيكان تدخلّ مباشر في عملية انتخاب رئيس جديد للرهبانية، نقل عن السفير البابوي رأي شخصي، وصفه بـ"حكمة الفاتيكان"، بأفضلية السير بالعملية الإنتخابية وتقبل إرادة أغلبية الرهبان، الا اذا ارتأت حكمة الكرسي الرسولي عكس ذلك.
وعلى رغم أن البعض لا يزال يراهن على تدّخل مباشر من الفاتيكان، وهو ما لا يحبذّه كثيرون، لوضع الأمور في نصابها الصحيح، يتوجه 325 راهباً يوم 12 آب الجاري إلى دير مار انطونيوس- خشباو، مقر الرئاسة العامة، لإنتخاب رئيس عام جديد، من دون أن يكون هناك ترشيح محدّد، لأن القانون الرهباني يمنع على الرهبان الترشح، ولكن جلّ ما في الأمر أن هؤلاء يتوافقون ضمنياً على إسم يحظى بأكثرية الأصوات. ومن بين الأسماء المتوافق عليها المدبر الأب نعمة الله الهاشم، الذي تبدو حظوظه راجحة حتى الآن.