هدأت العاصفة بعد حين في ما يخص فاتورة "الغراند كافيه" الشهيرة وفاتورة "مطار بيروت الدولي" الفضيحة، كغيرها من القضايا المهمة والمصيرية في البلاد التي ما تلبث أن تعلن رياحها التغييرية حتى يسود السكون فجأة جميع الأطراف من دون علم أو خبر، لكن الفرق هذه المرة أن تلك العاصفة قُمعت من قبل الرأي العام وليس السياسي "الطميع"، بحسب المعتاد، وهذا إن دل على شيء، فعلى أن الكيان الإجتماعي بكل اطيافه وانقساماته، بحاجة إلى توعية داخلية لحقوقه وواجباته، وإلى إعادة بث الامل في قدرته على المواجهة الفعالة، أو إلى صحوة ضمير من قبل المعنيين وهو أشبه "بحلم ابليس في الجنة".
"نحنا منستاهل".. "نحن أغبياء ومحبو مظاهر وبس".."على قد بساطك مد رجليك".. أتى من يتحدث بإسم السياسي بعد خطابات وإدعاءات أتت بمنفعة على المدى الطويل، نعت سيء ومسيء وهجوم على اللبناني الآخر، مع العلم أن الفاتورتين وبصغر حجمهما، هما نموذجان صغيران للسرقة في البلد، للغلاء المعيشي الذي يتكبده أي مواطن من الطبقة الفقيرة او المتوسطة، يعمل بدوام نهاري خلال 24 ساعة ليجني الحد الادنى من الاجر(675 الف ليرة لبنانية)، أو ليدفع ضريبة قرض سكني سيظل همه الاكبر مدى العمر وربما ما بعده، أو ليعيل عائلته بعد التقاعد، وأيضاً ملف فساد آخر سينضم إلى أخواته في خزانة "للذكرى فقط".
ربما لا يدرك الآخرون المعترضون أيضاً على بذخ هذا المواطن وتجرؤه على دخول مقهىً على "الكورنيش" أنه ً، ووفقاً لأحكام المرسوم الاشتراعي 73 الصادر عام 1983، لا يحق لأي مستثمر بيع ضعف سعر الكلفة"، كما أن الكورنيش، والذي يستفيد المستثمر من واجهته السياحية ليجني الملايين، هو أيضاً ملك عام، وليس للأغنياء فقط، بل على العكس، فإن معظم الذين يرتادونه من الطبقة الفقيرة، التي لا تجد منفساً لها إلا صخرة الروشة، ومن الطبيعي أن يدخل إلى المقاهي تلك الطبقة في ظل عدم وجود أي مقهىً آخر بأقل أسعار، والمنافسة الدائمة على رفع الاسعار بخدع احتيالية (225 ثمن صحن الفاكهة الذي اشتهر "بفاكهة آدم" أو صحن المكسرات الذي عادة يتواجد على الطاولة فيظنه الزبون مجاناً ليتبين في الفاتورة أن كلفته 12 ألف ليرة)
لكن أتى من يرفض ويقول لا. "لا" لن نستطيع.. "لا" لن يتغير شيئ.. "لا" الدفاع عن المقهى لأسباب أو أخرى.. أو "لا" لا يحق للمواطن الفقير الدخول إلى عالم الأثرياء. هنا كانت الصدمة الكبرى! من يصنف نفسه أقل من غيره ويدافع عن النصب هو المواطن نفسه، من يواجه ويصُّد وينكر حقوقه هو المواطن، وهي مرحلة لا تبشر بأن الاسوأ قادم وحسب، بل تنذر بمستوى عال جدا من اليأس والفراغ. لذا، وإذا احتسبنا بحسب ما تشير الدراسات أن التغيير يحتاج إلى سنوات عدة من التخطيط والعزيمة والصبر والإرداة والرفض للحالة العامة والمستوى المعيشي والاهم الإدراك، إذاً ليطمئن أي مخل ومنتهك أن إحداث التغيير مؤجل حالياً.
ولبعض المتأملين خيراً بالتغيير وفي ظل تواجد شريحة كبيرة من المجتمع لا تؤمن بأن لديها حق مأخوذ، "لا" الرفض للواقع الحالي هو مطلب جماعي لن يُطرح إلا في كوابيس ناهبي البلد فقط، أما في الأحلام، فالمواطن لا يحلم بأكثر من مقهىً للفقراء يرتاده بين الحين والآخر، أو إلى وظيفة تؤمن له الأكل والشرب، أو إلى وسيلة ترفيهية "على قد الحال"، ويا أيها اللبناني الغنوج "على قد بساطك مد رجليك" ولا تفكر قط بقلب الطاولة على رؤوس القوى السياسية، او رفع الصوت ضد من يستغلك من دون وجه حق أو كشف التعديات بالادلة والبراهين عبر نشر صورة أو تقديم شكوى.
اعتراف أخير.. للمرة الاولى أتأمل الكلمات أكثر من مرة قبل أن أكتب ثم أعيد الصياغة مرة واثنتين. حاولت أن أبدأ مقالتي بالشتيمة والسخرية و"البهدلة" كي يُعجب ويتعجب القراء ثم يتحمسون لمواصلة القراءة، حاولت أن أقول أن اللبنانيين سخفاء ومحبو مظاهر فقط لا غير، لذا من حق أي "سارق" أن ينال منه، كي أمشي مع التيار وتستمر السخرية، لكن صراحةً لم أجد رابطاً بين سلوك الفرد ومطلب محق، ففشلت.