لا تتناسبُ جغرافيةُ بلدةِ "القنطرة" جنوب لبنان معَ قتالِ العصاباتِ نظراً لأنَ منازلَها موزعةٌ على تلالٍ متباعدةٍ وأحياءَها صغيرة، ما يفقدُ مجموعاتِ المقاومةِ فيها ميّزاتٍ تكتيكيةً عديدةً أهمُها القدرةُ على تقديمِ الدعمِ والمساندةِ لبعضِها. رغمَ ذلك، نجحَ المقاومون المتمركزون في هذه البلدةِ في حرب تموز 2006 في تأخيرِ تقدمِ الميركافا نحوَ وادي الحجير.
تحضّرَ المقاومون لاحتمالِ دخولِ جنودِ المشاةِ الاسرائيليين الى البلدةِ بمفاجآةٍ صغيرةٍ جعلت قائدَ لواءِ الناحال يصرخُ على جهازِ اللاسلكي: "توقفوا عن دخولِ المنازل.. انها قريةٌ ملعونة".
حينَ تقدمَ الاسرائيليونَ الى المنازلِ للاختباءِ بها بعدَ وصولِ امرِ تأجيلِ توسيعِ العمليةِ البرية، بدا انَ الامورَ تسيرُ بشكلٍ هادئ: فلا اطلاقَ للنار، وطائراتُ الاستطلاعِ لم تَرصُد أيَ حركةٍ أو نشاطٍ لحزبِ اللهِ في المِنطقة. وأكثرُ منازلِ القريةِ كانَ مدمراً بفعلِ القصفِ المِدفعي العنيف.
طلبَ نائبُ قائدِ الكتيبةِ الى دبابتي ميركافا قصفَ جدرانِ بعضِ المنازلِ غيرِ المهدمةِ وتمشيطَها بالرشاشاتِ الثقيلةِ خشيةَ وجودِ مقاتلينَ من "حزبِ الله" داخلَها.
وبالفعل، اَطلقت الدباباتانِ عدةَ قذائفَ من عيارِ مئةٍ وعشرينَ ميليمتراً والنيرانَ الرشاشةَ على المنازلِ فلم تَصدُر أيُ حركة. انطلقت مجموعةٌ من الجنودِ باتجاهِ منزلٍ قريبٍ انهارَ جدارُه الخلفيُ نتيجةَ قصفِ الدبابتينِ، لكنهم فَضَّلوا الدخولَ من الباب!
ما اِن وَطِئَت اقدامُهم الممرَ الداخليَ في المنزلِ حتى انفجرت بهم عبوةٌ كبيرةٌ تَحوي اكثرَ من ثلاثةِ آلافِ شظية، فتطايرت أشلاءُ أربعةِ جنودٍ واُصيب عددٌ آخر. ظنَّ الجميعُ بأنَ المنزلَ كانَ مفخخا، وما اِن تقدمَ جنديانِ اخرانِ لسحبِ القتلى حتى ظهرَ امامَهم مقاومانِ كانا يختبآنِ داخلَ المنزلِ وبدآَ باطلاقِ النارِ بغزارةٍ ورميِ القنابلِ اليدوية.
لم يَفهم الجيشُ الاسرائيليُ حقيقةَ ما جرى في القنيطرة: كيفَ يمكنُ لمقاتلَيْنِ من حزبِ اللهِ ان يبقيا داخلَ منزلٍ مفخخٍ والانفجارُ وقعَ من الداخل؟ وكيفَ لم يصابا بأذىً حينَ قصفَت الميركافا جدرانَ المنزل؟
لم يَعلم الجيشُ الاسرائيليُ أيضاً كيفَ استطاعَ المقاومانِ الانسحابَ وعبورَ الطريقِ حيثُ كانت تربِضُ احدى دباباتِ الميركافا.
في المقلَبِ الاخر، كانُ أحدُ المقاوِمَينِ يرسلُ نداءاً من القنيطرة عبرَ جهازِ اللاسلكي: "إلى خاصاتِ رعد واحد واثنان فَتحُ النارِ يكونُ بالعبوات، وعن مَسافةٍ قصيرةٍ جداً".. انتَهى البلاغ.
(علي شهاب- الميادين)