لا شيء ينطبق على موضوع السلامة المروريّة في لبنان بقدر المثل الشعبي "بزّق ولزّق"، فما يطبّق من قانون السير الجديد الذي صدر عام 2012 وبدأ العمل فيه منذ نيسان 2015، يمكن حصر نتائجه، الأكثر ملاحظة، بزيادة الغرامات على المخالفات وتنفيعات ماليّة لشركات خاصّة فازت بمناقصات وزارة الداخليّة والبلديات، وكلّ ذلك بعيداً من أي استراتيجيّة وطنيّة لتطوير معايير السلامة المروريّة، وتنفيذ الإصلاحات التي لحظها قانون السير الجديد.
مبدئياً، ستنطلق مطلع أيلول المقبل عمليّة إصدار دفاتر السوق البيومتريّة للمتقدّمين الجدد، كمرحلة أولى تمهيداً لتحويل كلّ الدفاتر (يبلغ عددها نحو مليوني ونصف مليون دفتر) إلى النظام الجديد. نظرياً تهدف هذه الخطوة إلى الحدّ من عمليّات الغشّ والتزوير ورفع درجة الأمان في إصدار دفاتر السوق، وقد تكون خطوة أولى في تطبيق نظام النقاط المنصوص عنه في قانون السير الجديد رقم 243. لكن عملياً، لا تعدو الخطوة كونها مجرّد تغيير شكلي لدفاتر سوق عبر مناقصة فُصّلت على قياس شركة "إنكريبت"، إذ لا شيء يوحي بإبصار نظام النقاط النور بعد.
يُعدّ نظام النقاط من أبرز الإصلاحات المنصوص عليها في قانون السير الجديد. بحسب الخبير في إدارة السلامة المروريّة في LIRSA كامل إبراهيم: "الهدف منه ردع الناس عن ارتكاب المخالفات، وتحقيق المساواة بين المواطنين عبر سحب الرخصة، إضافة إلى تأهيل السائقين المخالفين (المسحوبة رخصهم) عبر مدارس السوق تمهيداً لتغيير سلوكهم. ويبدأ بإنشاء سجل مروري لكلّ سائق يُبيّن المخالفات التي ارتكبها ووتيرة تكرارها". ويضيف: "دفع الغرامة هي آلية المحاسبة الوحيدة في المنظومة الراهنة بعد حصول السائق على رخصة القيادة، لكن بطء تبليغها لتسريع العقوبة لم يشكّل قوة ردع فعّالة، لذلك مكننة محاضر الضبط وسحب الرخصة يزيدان من فعاليّتها والحدّ من السلوك المتهوّر للسائقين وتالياً التخفيف من حوادث السير".
مرّت أربع سنوات على صدور قانون السير الجديد ولم يتقدّم نظام النقاط خطوة. والسبب غياب القرار السياسي والتمويل والخبرات والجهات الاستشاريّة، إذ لطالما كان للأمن أفضليّة على موضوع المرور في السياسات الحكوميّة. لقد حدّدت المواد (364 حتى 372) من القانون 243 أطر تطبيق هذا النظام؛ بداية بإنشاء سجل مروري مُمكنن لكلّ سائق لدى قوى الأمن الداخلي، يتضمّن 12 نقطة رصيداً له، تُسحب منه بالتناسب مع المخالفات المرتكبة، وعندما يفقد السائق مجموع نقاطه، تفقد رخصة السوق صلاحيتها وتُسحب منه لمدة ستة أشهر، يخضع خلالها لدورة متخصّصة في إحدى مدارس السوق، وعند تكرار فقدان مجموع النقاط خلال ثلاث سنوات، تُسحب الرخصة لمدة سنة، على أن يخضع المخالف لدورة التأهيل وإعادة امتحان السوق، وتطبّق هذه القاعدة كلّما سحبت كامل النقاط.
ما هي آلية تطبيق النظام؟ وماذا تحقّق منه؟ لتسيير نظام النقاط، على مكتب تنفيذ أحكام السير أن يتولّى مهام أعمال السجل المروري لكلّ مخالفات السير وسحب النقاط حسب المخالفة المُرتكبة، علماً أن بعض المخالفات يبلغ بها السائق مباشرة، وأخرى (مثل رصده عبر رادارات السرعة) لا يعلم بها مباشرة فيستوجب تبليغه بها قانوناً على عنوانه أو إعلامه بها عبر الرسائل النصيّة، (ما يقوم به المكتب راهناً هو تنفيذ مخالفات ممنوع الوقوف غير المّدرجة في سجل سحب النقاط). وترتبط هذه المكاتب إلكترونياً بقاعدة المعلومات في هيئة إدارة السير والمركبات والآليات، حيث توضع إشارة على ملف المركبة المخالفة، فيتوقف عندها إنجاز المعاملات الخاصة بها حتى تسديد الغرامات وخلو الملف من أي أحكام مخالفة لقانون السير. بحسب المصادر الأمنيّة "بدأ العمل على النظام بالتعاون مع مشروع الاتحاد الأوروبي لدعم قوى الأمن الداخلي في ملف إدارة السير، نفّذت بعض الإجراءات وطوّرت بعض التكنولوجيات قبل أن يتوقف قبيل استكماله. ومن ضمنها تجهيز غرفة إصدار محاضر مخالفات السرعة بكلّ مستلزماتها بانتظار القرار السياسي وتفريغ فريق عمل لتشغيلها".
تكمن المشكلات الأساسيّة في تطبيق النظام بحسب الاستشاري في شؤون المعلوماتيّة وأمن المعلومات العميد المتقاعد جاك باكاييف: "أولاً في عناوين حاملي رخص السوق غير الدقيقة ما يمنع تبليغ الضبط بصورة سريعة. ثانياً جهوز نحو 50% من تجهيزات النظام التي تتيح لعناصر قوى الأمن الداخلي تشغيله بدءاً من تدوين المحاضر إلكترونياً عند ارتكاب المخالفة وإيصالها مباشرة إلى قاعدة البيانات في مكتب تنفيذ الأحكام. وثالثاً عدم ربط قاعدة بيانات قوى الأمن الداخلي بقاعدة بيانات هيئة إدارة السير التي تسمح بدفع غرامات كافة المخالفات المروريّة عند دفع رسوم الميكانيك أسوة ببدلات التوقف الإضافي".
تتبع هذه المرحلة (أي سحب الرخصة) تحويل السائق المخالف إلى مدارس التأهيل بحسب ابراهيم، إذ يكمن "الأساس في تغيير سلوك السائق ورفع مستوى قيادة المركبات ومستوى الامتحان". تندرج هذه المهمّة ضمن مسؤوليّة هيئة إدارة السير والمركبات والآليات بالتعاون مع نقابة مكاتب تعليم السوق التي لم تطوّر عملها أو تكافح عمليّات الغش فيها، وذلك عبر "وضع معايير تحويل مكاتب السير إلى مدارس تعليم، وتطوير تعليم قيادة المركبات، ووضع منهج جديد للتعليم، وتطوير الامتحانين النظري والتطبيقي، وتأهيل المدربين في مكاتب السوق، ووضع منهج للدورة المتخصّصة التي على السائق الخضوع لها عند سحب الرخصة منه. ما تحقّق منها حتى اليوم هو وضع بعض المسودات فقط". ويضيف: "في الواقع لم تتحوّل مكاتب السوق إلى مدارس متخصّصة للقيام بالدورة التأهيليّة. وأي من ذلك لن يتحقّق إلّا بتفعيل عمل المجلس الوطني واللجنة الوطنيّة للسلامة المروريّة المولجين قانوناً بتحديد دقائق النظام والموافقة على المناهج، وذلك عبر أمانة سرّ (تنتظر صرف ميزانية تشكيلها التي أقرتها الحكومة) تضمّ فريق عمل متخصّصاً لمراقبة عمل الإدارات المعنية والمساعدة في وضع الخطط والدراسات والمناهج وتنفيذها".
(فيفيان عقيقي - الأخبار)