إحتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، في كنيسة السيدة في المقر الصيفي للمطرانية في عين سعادة، بقداس عيد انتقال السيدة العذراء على نية فرنسا، كما جرت العادة في كل سنة، في حضور أركان السفارة الفرنسية، تقدمهم القائم بالأعمال آرنو بيشو والنائب في البرلمان الفرنسي كريستيان كامرمان.
وألقى مطر عظة جاء فيها: "مع كل إطلالة شمس تروع حواسنا أخبار الفظاعات التي تجتاح العالم. إنه عالم مجنون لا يهدئ روعه إلا تدخل السماء. وهو عالم قريب منا بكل معنى الكلمة. وينعقد اللسان أمام هذا الجنون القاتل الذي يرتكبه الإنسان بحق أخيه متذرعا بالدين أو بالحرية، بينما هناك طرق شتى لبلوغ هذه الأهداف دون إراقة الدموع والدماء وتحمل أعباء النزوح والتهجير والموت لملايين من البشر. لم يتمكن أي رئيس دولة أو مسؤول عن منظمة غير حكومية من كبح هذا السيل من المآسي غير المبررة. وهل ثمة سوى البابا فرنسيس من يسمعون له أو يلجأون إليه؟ بل من من أهل القرار، كما قداسته، قادر على جعل كلام البابا شرعة له فتعتمد وسائله تحويلها إلى أعمال ملموسة؟".
وبعد القداس أولم مطر على شرف القائم بأعمال السفارة الفرنسية وأركانها وضيوفه، وألقى كلمة بالمناسبة جاء فيها: "إنها المرة العشرون التي أتشرف بالتوجه فيها إلى أصحاب السعادة سفراء فرنسا في لبنان أو إلى ممثليهم، حضرات القائمين بالأعمال، في مناسبة القداس السنوي في 15 آب، الذي نحتفل به على نية بلدكم الكبير، والمائدة الأخوية التي تجمعنا في هذا المقر الأسقفي بعد مائدة الإفخارستيا. في هذه اللقاءات المفعمة بالعاطفة، نتبادل الأفكار المستوحاة من العلاقات التي جمعت كنيستنا المارونية وبلدنا لبنان بفرنسا التي أصبحت، منذ نحو ألف عام صديقتنا الدائمة. غير إن ظروف الحياة التي يوفرها لنا التاريخ، وفق منطقه الخاص، تفرض علينا كل مرة تأملات نريد أن نستمد جذورها من قيمنا وآمالنا المشتركة. فأفكارنا تذهب هذا العام، بالأولوية، إلى الضحايا البريئة التي سقطت في باريس، على دفعتين، ثم في نيس، تحت الضربات الرهيبة للإرهاب الأعمى والمجرد من كل إنسانية، وقد بلغ ذروته مؤخرا في مقتل كاهن ثمانيني كان يحتفل بقداسه في إحدى رعايا الريف الفرنسي أمام عدد من المؤمنين الذين ذهلوا وما استطاعوا أن يصدقوا ما رأوه بعيونهم. وإزاء هذه الفظاعات غير الموصوفة، لم يتردد العالم في الانتفاضة والتعبير عن صدق تضامنه مع الشعب الفرنسي وحكومته. وإننا نكرر اليوم تعاطفنا الخالص وتعازينا لفرنسا ولشعبها الذي أصابته محنة بدون سبب وبدون معنى".
أضاف: "غير إن الشعب الفرنسي لم ينحن تحت وطأة ما أصاب منه الجسد ولم يتمكن من الروح؛ فلم تمنعه المحنة من التحرك بوعي وقدرة على تخطي المأساة. لا بل نسجل لفرنسا بصيرتها الثاقبة حيث لم تمزج بين العنف والإسلام، ولم تقرأ في ما حدث حربا دينية بل أعمالا جنونية قاتلة، متأتية من أيدلوجيات مبنية على الخطأ والخداع. إن على العالم المتحضر أن يعمل على منع هؤلاء من الإساءة، ولكن على القوى الحية في الدول، من جهتها، أن تجهد أيضا في منع هذه الأفكار الدموية من أن تسود العقول. وفي هذا الإطار عبرت كنيسة فرنسا وكل شعبها عن تسام داخلي فكان الجواب على مقتل الأب جاك هاميل بالصمت والصلاة. وهكذا فقد ردت فرنسا على حضارة الموت بالتشبث بحضارة الحياة، ولا سيما الحياة المشتركة وبدون تمييز. ومن جهتنا في لبنان، فقد رفضنا أيضا أن نعتبر ما نجتازه منذ أربعين سنة حربا دينية. فالمسيحية والإسلام ديانتان منفتحتان على الآخر، تحترمان التعددية التي أرادها الله، بحسب تعبير كرسته التعاليم الإسلامية بالذات. صحيح إن هناك قراءات متنوعة للدين وللحدث الديني، منها من العصور الوسطى، ومنها ايديولوجية متأتية من رؤى جزئية أو منحازة للأمور. ولكن الصحيح أيضا إن هناك قراءات تحترم منابع الإيمان عينه، وهي التي نختارها معا والتي تجعلنا نفهم في الوقت عينه إرادة الله وواجب الإنسان".
وتابع: "لقد أدركنا نحن اللبنانيين، بفضل هذه القراءة السليمة للإيمان إن دعوتنا الحقيقية هي في تعايشنا المسيحي- الإسلامي، وفي مجتمعنا التعددي، وفي احترام الآخر، أساسا للديمقراطية الحقيقية. وقد ثبتنا في قناعتنا بأن لبنان ليس دولة كرتونية أو مخالفة لقواعد وجود الدول، بل هو قبل كل شيء نموذج للتعايش للشرق كما للغرب. وها نحن، بفعل اكتشافنا لذاتنا ولرسالتنا، نتلاقى من جديد، وهمنا أن يسود عندنا وفي العالم مبدأ قبول الآخر وثقافة لقاء الناس داخل كل بلد وخارجه. وإن عملنا يقوم على تمتين روابط التضامن والألفة بوجه روح الإلغائية وعدم قبول الآخر. أما القوى التي تحارب هذه التوجهات فإنها تبين، بمجرد فعل وجودها، أن تحديات المرحلة الراهنة في العالم هي ثقافية قبل أن تكون دينية أو سياسية. في هذه الحالة فإننا نود القول لأخوتنا وأصدقائنا في الشرق الأوسط وفي العالم إن كل تحول في التاريخ نحو تفكك المجتمعات أو نحو وضع الأديان في مواجهة بعضها لبعض، تهدد الحضارة نفسها بالزوال، وهكذا فإن الحروب المشتعلة في المنطقة تشكل خطرا على الجميع بدون استثناء، وبخاصة إذا ما أدت إلى انتصار لديانة ضد أخرى أو لمذهب في وجه آخر. ففي مثل هذه الحال، يفقد الدين مستقبله ومعناه إذ يحرم مضمونه من مفهوم اللقاء بالآخر. لهذا فإننا نلفت أنظار الدول العظمى إلى ضرورة العمل معا وفي إطار مجلس الأمن لاقتراح أو فرض مخططات سلام على المتقاتلين. كما إن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه لا تزال إلى الآن غير كافية. ونحن نعتقد إن فرنسا استنادا إلى تقاليدها الإنسانية وانفتاحها على الجميع، قادرة أن تلعب دورا مميزا بل حاسما في إعادة السلام في منطقتنا كلها".
وقال مطر: "إن لفرنسا إمكانات مهمة في مجال الوساطات، ونحن نتكل عليها لإعادة التوازن تجاه ما يفرض اليوم على شعوبنا. فمدينة حلب، مثلا، تشهد تمزقا خطيرا في صفوفها، والمعارك تستعر ضد المدنيين المعرضين فيها من الفريقين إلى موت رخيص. من هنا ضرورة فرض الهدنة في هذه المدينة حيث مليونا إنسان هم تحت الخطر، وإلا فإن خسارة هذه المدينة ستكون سقوطا خطيرا للإنسانية كلها. إننا نتمنى من كل قلبنا عودة السلام على كل الصعد وندعو إلى وقف للنار فوري وإلى حوار ضروري بين المتقاتلين لخلاص الناس من الموت المحتم. لا شك إن فرنسا حاضرة للمساعدة في الأمر. ولكن أين هو لبنان؟ أين الوطن الرسالة الذي نحب؟ هل هو على منحدر الانهيار؟ نحن نقر في هذا المجال إن لبنان لم يعد يعطي الصورة التي يجب أن يقدمها إلى العالم، وبخاصة عندما أصبح بدون رئيس للجمهورية. كيف يمكننا الاستمرار في هذا المنطق عندما يكون البلد المثال متعثرا ومؤسساته مشلولة منذ نحو ثلاثة عقود؟ إن بعض المواطنين يريدون طمأنتنا بأن في نهاية النفق الذي نجتاز سيكون عندنا رئيس للجمهورية، قادر على الحكم، وقانون انتخابي يؤمن المساواة بين كل مكونات البلد. نحن نحترم هذه النظرة ولكننا نتساءل بروح الأخوة: إذا كنا نعبث اليوم بالدستور ونعيق تطبيقه، فمن يضمن لنا أن المجلس الآتي لن يخالف مقتضيات الدستور وفق مصالحه الفردية أو الجماعية؟ من هنا نستنتج إنه يجب اعتبار الدستور لا كمجرد نظام حكم بل كمكسب تاريخي ثمين للبنان لدرجة إنه لا يحق لنا خسرانه أو تهديده. وللوصول إلى غاياتنا المنشودة يجب أن نفتش عن الوسائل الأكثر ملاءمة لتحقيقها".
أضاف: "من ناحية أخرى، فإن الديمقراطية، على غرار الدستور، هي ضمان لوحدة البلد وأيضا لحرية أبنائه. فقد تم ابتكار الديمقراطية لتحاشي كل أنواع التسلط. ومن هنا فإن الرئيس الأقوى هو الرئيس الذي يواجه الانتخاب في درب وصوله، ويكتسب ثقة أكثرية الشعب القادر على التعبير عن حريته. فلا يمكن لأي سبب من الأسباب منع البلد من العيش والنمو. وعندما يكتب علينا النضال من أجل حقوقنا وتقدمنا يجب أن نعمل كل ما في وسعنا لكي لا نعرض مصير الوطن للأخطار؛ بل علينا أن نوفر كل الشروط وبدقة كاملة من أجل نجاحنا. وإذا كان هناك جهات خارجية تمنعنا من خلاص بلدنا فيجب رفض كل تدخل، من أي نوع، ليبقى لبنان ذاته ويحافظ على دعوته. وفي هذا المنحى فإننا نشكر من صميم القلب الرئيس فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لمجيئهما المتكرر إلى لبنان وإعرابهما عن تضامنهما معنا والتعبير عن اهتمامهما بوطننا. إنه الرئيس الأعلى الوحيد الذي جاء إلينا في زيارة صداقة لا لبس فيها. فلفخامته الشكر الجزيل، وللسفير إيمانويل بون الذي يعمل لفرنسا وللبنان كل العرفان. وهو ممثل بيننا اليوم خير تمثيل. إن هذه اللقاءات مع فرنسا تؤكد على الدوام صداقتنا المشتركة وتجعلها اكثر فأكثر فاعلة".
وختم مطر: "أرفع كأسي وأشرب نخب الصداقة الفرنسية- المارونية، والفرنسية- اللبنانية. فلتعش فرنسا وليعش لبنان".
ورد بيشو بكلمة جاء فيها: "يشرفني ان أكون ضيفكم للمرة الاولى في عين سعادة بمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء، وأشكركم على حسن الاستقبال، وعلى صلواتكم على نية فرنسا"، مضيفا: "ان عيد انتقال السيدة العذراء عزيز على قلوب اللبنانيين، لان مريم مقدسة على طول مساحة لبنان، ولا ننسى في هذه الايام حيث الحوار بين الاديان ضرورة، ان مريم مقدسة ايضا في الاسلام، ومذكورة في القرآن".
وتابع: "ان القداس على نية فرنسا في عيد انتقال العذراء هو تقليد قديم، ونحن متمسكون به لانه يرمز الى العلاقات المتينة التي تربط بين لبنان الموارنة وفرنسا".
وتوجه الى المطران مطر بالقول: "ان ما يصيب لبنان لا يجعل من فرنسا غير آبهة بهذا الشأن، فهي منشغلة وقلقة من الازمة القائمة في سوريا، التي هي على أبواب لبنان، وهي أزمة لديها تبعات ثقيلة على بلدكم. فلبنان دفع غاليا ضريبة الارهاب منذ سنة في برج البراجنة، ومؤخرا في القاع. ونحن قلقون من هذا التهديد النابع من عدو مشترك، كما أظهرته اعتداءات باريس وسان دوني، غداة اعتداءات بيروت، ومن ثم نيس وسان اتيان دو روفري، حيث ذبح كاهن، وكأنه صدى لشهادة المسيحيين في الشرق، وايضا بسبب الحرب السورية، فقد تحمل لبنان عبئا ثقيلا من الناحية الانسانية".
وأضاف: "ان تواجد اللاجئين السوريين يشكل ضغطا كبيرا على البنى التحتية اللبنانية، أكان في المدارس او المستشفيات وايضا في المجتمعات المضيفة الأكثر فقرا في لبنان. كما ان فرنسا قلقة من التعطيل السياسي الذي يحرم لبنان من رئيس منذ أكثر من سنتين"، لافتا إلى أن "الفراغ الرئاسي يضعف قدرة البلد على حماية نفسه من التوترات الناتجة عن الصراعات الاقليمية، ويمنع المسيحيين من لعب دورهم الضروري في الحياة السياسية، كذلك يغذي الشلل المؤسساتي في الحكومة ومجلس النواب، الامر الذي يعرقل الاستفادة من المساعدات الدولية".
وأكد "بقاء فرنسا وفية لتقاليدها وصداقاتها، خصوصا في منطقة مضطربة حيث ان قوى تحاول زعزعة التوازنات الحساسة في لبنان"، مضيفا: "لبنان يستطيع الاعتماد على ثبات فرنسا، كما ان الطائفة المارونية تستطيع الاعتماد على تعاطف فرنسا".
وتابع: "ندعو الاحزاب اللبنانية الى تحمل مسؤولياتها لايجاد توافق سياسي يسمح بانتخاب رئيس للجمهورية، ولتشكيل حكومة تعكس الوحدة الوطنية، ومن ثم تجديد البرلمان ليعكس صحة التمثيل"، مضيفا: "نحن نتحاور بهذا الشأن مع البلدان المؤثرة في لبنان لكن الحل لن يأتي من الخارج".
وختم: "على لبنان أن يأخذ المبادرة للوصول الى اتفاق شامل ودائم. وفرنسا مستعدة لتسهيل اي اتفاق".