الدعوة لمشروع مارشال للعالم العربي والمنطقة بعد ان تحط الحروب رحالها، وبعد ان يهدأ الحراك السياسي والمذهبي والارهابي والتكفيري والاستقلالي والاجتماعي وباشكاله الأخرى...لا شك في انه طموح كبير جداً وتطلع لا يزال بعيد المنال، وقد طرحه "بيت المستقبل" في مؤتمره العام الاول يوم السبت الماضي في حضور عدد كبير من الديبلوماسيين والسياسيين والمفكرين والباحثين والاكاديميين والاعلاميين من لبنان والخارج.
وكان "بيت المستقبل" توقف قسرا عن العمل في خريف العام 1988 ثم عاود نشاطاته نهاية عام 2013. وكانت محطته الأهم في سياق احيائه بالمؤتمر الذي عقد في مقره الجديد في سراي بكفيا تحت عنوان "مشروع مارشال العربي شراكة وتعاون من اجل مستقبل افضل للشرق الاوسط" بالتعاون مع "مؤسسة كونراد آديناور".
وقد خرج المؤتمرون بتوصيات ابرزها: العمل أولا، وبشكل ملح على وقف اراقة الدماء وانقاذ المدنيين، وانهاء ظاهرة التكفير والاصولية، والعمل على تنقية أنظمة الحكم من الشوائب وتأمين انتقالها من حوكمة هالكة الى حوكمة صالحة، قائمة على الديموقراطية، وضمان الحريات واحترام التعددية. ومن شأن هذه البيئة ان تشكل عامل جذب للنخب وتحملها الى العودة الى أوطانها والمساهمة في البناء السياسي والاقتصادي.
وقد اعتبر المؤتمرون ان التربية المنفتحة عنصر أساسي في قيام مجتمعات تتخذ من قبول الآخر ثقافة دائمة. ويشكل هذا المشهد المتكامل بنية تحتية صالحة لقيام خطة شبيهة بمشروع مارشال بشراكة متكافئة وتعاون متوازن بغرض اعادة اعمار المنطقة.
وقد طرح هذا المؤتمر تصوراً ينطلق من تجربة رائدة في التاريخ يمكن ان تشكل بصيص امل للعالم العربي والمنطقة، التي تعصف بها الحروب والتي تعاني من التطرف والاصولية والتكفير والقتل والدمار، والتي يتهددها التآكل والانحلال والتفكك.
نهاية المأساة
مدير مؤسسة "ميدل ايست الترناتيف" في واشنطن الدكتور حسن منيمنه، الذي شارك محاضراً في هذا المؤتمر، يفضل لو يسمى هذا المشروع بمشروع استنهاضي للمنطقة يستجمع القوى والمقومات والاموال الموجودة فيها لاعادة بنائها بما يجنبها تكرر الانهيارات مستقبلاً.
وقال منيمنه لـ "
لبنان 24" على هامش هذا المؤتمر انه لم تطرح فكرة المشروع الاستنهاضي على ان تنفذ غدا صباحا. فنحن نمر بحالة انحلال وتآكل وانهيار على مستوى المنطقة العربية ككل، ولا بد من التفكير بحالة ما بعد الانتهاء من هذه المأساة، لافتا الى اننا لا نستطيع ان نجزم متى ستنتهي هذه المأساة لكنها ستنتهي في نهاية المطاف.
وأوضح منيمنه ان الرئيس امين الجميل اشار في كلمته في افتتاح المؤتمر الى ثلاث مقومات اساسية لا بد منها للانطلاق بهذا هذا المشروع وهي: الحوكمة والتربية والتنمية.
ويرى منيمنه ان هذه المسائل جوهرية وانه لا بد لها من تفصيل، ومشيراً الى ان الاهم يكمن في بناء الانسان.
والاهم عنده على هذا الصعيد يكمن في المرجعية الثقافية، متسائلاً: "هل نحن متفقون على بنية انسانية ثقافية، ام هل اننا ننكمش وراء بنى ومرجعيات فئوية؟"
واكد منيمنه ان التاريخ مليء بحالات الانهيار والانحلال والتآكل والحروب التي تتمخض عنها في النتيجة ترتيبات جديدة، مشيرا الى انه لا بد من التفكير والتركيز والبحث والسعي الى اقامة الترتيب الجديد والصالح للمجتمعات، وهو ما يتطلب برأيه، المثابرة على الاستمرار في عملية الطرح وصولا الى تشكيل التصور الفعلي والتفصيلي وليس فقط الفكرة العامة.
وختم منيمنه مؤكداً على اننا في اتجاه مأسسة هذه الافكار لنتمكن من تفصيل البرامج التي ستؤدي بالفعل الى تنفيذها.
إعادة بناء البنى التحتية
اما سفير لبنان الاسبق في واشنطن الدكتور رياض طبارة فقد لفت الى ان الغاية من مشروع مارشال الذي وضع بعد الحرب العالمية الثانية كانت مساعدة الدول الاوروبية على اعادة اعمار بناها التحتية.
وقال طبارة لـ "
لبنان 24" على هامش مؤتمر بيت المستقبل ان مشروع مارشال في العالم العربي يحتاج الى اعادة بناء البنى التحتية، انما ايضا الى عملية تنمية الموارد البشرية، موضحاً أن الامم المتحدة وبعد الانتهاء من مشروع مارشال في اوروبا حولت البنك الدولي الى التنمية وليس للاعمار فقط.
ويرى طبارة ان طرح هذه الفكرة جيدة لكنه ينبغي ان تتم متابعتها وتطويرها لتحديد ركائز مشروع مارشال الذي يحتاج اليه العالم العربي خصوصا بالنسبة الى شقي التنمية وإعادة الاعمار.
أما الدكتور سامي عون، وهو استاذ في معهد العلوم التطبيقية في جامعة شاربروك ومدير مرصد الشرق الاوسط وشمال افريقيا في جامعة اوكام، والذي شارك محاضرا في مؤتمر "بيت المستقبل" لفت الى اهمية التفكير وفي خلال الحروب والازمات في مرحلة ما بعد هذه الحروب، والى ان الاسلوب القائم على ايجاد الحلول لما بعد النزاعات هو احد اهم اوجه التركيبة التي استطاع الفكر الغربي بواسطتها ان يتجاوز حروبه خصوصا الزعزعة بالنسبة الى السلم الاهلي والى ما يسمى العقد الاجتماعي.
وقد اكد عون لـ "
لبنان 24" ان كل امبراطورية ستزول وان كل حرب ستنتهي مهما طال امدهما، لافتاً الى انه في طليعة ما ينبغي العمل عليه لمرحلة ما بعد الحروب في المنطقة هو التفكير بعصر ما بعد النفط.
واوضح عون في هذا الاطار ان السعودية وحتى 8 سنوات تقريبا سيكون استهلاكها الداخلي للنفط اعلى من عملية تصديرها له. اما الولايات المتحدة وكندا فيمكن القول عنهما انهما استقلتا نفطيا او اقله على ابواب هذا الاستقلال.
وهو يلفت الى ان الولايات المتحدة كانت تستورد من النفط العربي والخليجي حوالى 18% من حاجياتها، وقد انخفض هذا المعدل الى 12% في الوقت الراهن، وهو سينخفض الى 4% في غضون السنوات العشرة المقبلة.
ومما يجب التفكير به أيضاً للمرحلة المقبلة دائما حسب عون هو المنطلق الثقافي لعصر ما بعد التناطح والحرب المذهبية التي ستؤدي في نهاية المطاف الى التدمير الذاتي.
وهو يدعو ايضا الى التفكير بسبل بناء المجتمعات العربية بعد ان تنتهي الحروب، وبهذا المعنى فان الدروس الالمانية مفيدة جداً.
وإذ لفت الى أن عبارة مارشال تعني التنمية المستدامة للإنسانية ختم عون مؤكداً معادلة أن تبقى متفائلاً بشيء بسيط من السذاجة افضل من ان تكون متشائماً مع الكثير من العقلانية.
("
لبنان 24")