"في العام 2012، وأثناء قيامي بتيسير جلسة علاج بالدراما في سجن بعبدا، دخلت السجينة (ف.م) الغرفة، كانت تلك المرة الأولى التي تنضم الى الجلسات، فلم تكن تغادر زنزانتها الا نادرا. سألتها عن مدة سجنها فأجابت: الحكم الصادر بحقي غير واضح، لكن أظن أنني محكومة بالسجن المؤبد. بعد الاستفسار عن الوضع القانوني لـ(ف.م)، تبيّن أن الحكم الصادر بحقها هو: حجز المتهمة في مأوى احترازي (جناح مخصص للمصابين بالاضطرابات النفسية) حتى ثبوت شفائها بقرار تصدره المحكمة"، تقول المديرة التنفيذية لـ "المركز اللبناني للعلاج بالدراما ـ كثارسيس" زينة دكاش.
وتساءلت دكاش، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته جمعية "كثارسيس"، أمس، في مجلس النواب عن واقع السجناء ذوي الأمراض العقلية أو النفسية في لبنان ووضعهم في ظل القوانين الجزائية.
وقد أوجبت التشريعات المجحفة بحق هؤلاء المساجين والتي أبقت سجينتين رهن الاحتجاز لمدة 38 عاما، تقديم اقتراح قانون لتعديل بعض مواد قانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بالمرضى العقليين أو النفسيين مرتكبي الجرائم.
شارك بإعداد هذا الاقتراح بعض النواب، وجمعية "كثارسيس"، وشريحة واسعة من القضاة (لبنانيين وأجانب)، وممثلون عن وزارات العدل والداخلية والبلديات والصحة والشؤون الاجتماعية، وحقوقيون، ومدراء السجون والجمعيات ضمن مشروع مموّل من "الاتحاد الأوروبي".
ترتكز بعض تعديلات اقتراح القانون، وفق رئيس لجنة تنفيذ العقوبات في محافظات بيروت والبقاع والجنوب القاضي حمزة شرف الدين، على الآتي:
ـ تعديل المادة 411 من قانون أصول المحاكمات الجزائية للتمييز بين الموقوف والمحكوم اذ لم تتطرق النصوص القديمة الى حالة الموقوف، واعتماد عبارة "الأمراض العقلية أو النفسية أو النفس العصبية" بدل العبارات القديمة "مجنون، معتوه، ممسوس"، وإعطاء الخيار بين مأوى احترازي أو مستشفى أمراض نفسية أو عقلية تماشيا مع المرسوم رقم 6164/94 والذي أوجب وضع الأشخاص المصابين بأمراض نفسية أو عقلية في مأوى احترازي (الوحيد في لبنان) والذي أنشئ في سجن رومية المركزي في العام 2002، واعتماد معيار إمكانية تشكيل الخطر على السلامة العامة بما أنه، ووفق البراهين العلمية، لا يمكن الشفاء من المرض النفسي.
ـ تعديل المادة 75 من قانون العقوبات، ومن ضمنها نقل صلاحية بت مسألة اطلاق السراح من المحكمة مصدرة الحكم الى لجنة ومحكمة تنفيذ العقوبات.
ـ تعديل المادة 76 من قانون العقوبات فجرى حلّ مشكلة التناقض الموجود بين المادتين 411 أ.م.ج. و76 عقوبات لجهة حسم مدة الحجز من اجمال العقوبة والتدبير المعتمد في مرحلة ما بعد الانتهاء من العقوبة وكان السجين يشكل خطرا على السلامة العامة.
ـ تعديل المادة 232 من قانون العقوبات، فبدل أن يستمر الحجز الى أن يثبت الشفاء، يستمر الحجز الى أن يثبت استقرار وهذا المعيار المعتمد عالميا، كي لا يتم نسيان هؤلاء السجناء كما يحصل اليوم.
ـ تعديل المادة 234 من قانون العقوبات بحذف الشق المتعلق بالإدمان على المخدرات والكحول اذ يوجد قانون خاص بالمخدرات بالإضافة الى فقرة خاصة تتعلق بالكحول في قانون العقوبات، وجرى العطف على القانون المتعلّق بالصحة العقلية.
الصحة النفسية في السجون
تبين دراسة "الصحة النفسية في السجون اللبنانية"، التي أصدرتها جمعية "كثارسيس" في العام الماضي، ارتفاع معدّل انتشار الاضطرابات الذهانية واضطراب ثنائي القطب عند السجناء والسجينات في سجني رومية وبعبدا مقارنة مع المجتمع المحلي (نسبة انتشار ثنائي القطب 1.9 في المئة عند السجناء مقارنة بنسبة 1.5 في المئة في المجتمع اللبناني؛ نسبة انتشار الاضطرابات الذهانية 5.7 في المئة، من دون وجود معطيات عن لبنان بل عن عموم السكان في فنلندا 3.06 في المئة).
وسجل الاكتئاب فئة الأعراض الأكثر انتشارا يتبعه اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة، وسوء استخدام الكحول، والجسدنة (أي مشاكل جسدية سببها اضطرابات نفسية). وتظهر نتائج الدراسة أن عددا من السجناء يعانون من اضطراب نفسي شديد ويقيمون مع السجناء الذين لا يعانون اضطرابات نفسية، وأنه لم يتم الأخذ بالاعتبار الاضطرابات النفسية في الأحكام الصادرة بحق المحكومين منهم، وأن بعض السجناء بدأوا يعانون اضطرابات نفسية خلال اقامتهم في السجن، وأن بعض السجناء الذين ذكرت الأحكام الصادرة بحقهم وجوب حجزهم في مأوى احترازي يقيمون مع سجناء لا يعانون اضطرابات نفسية.
رابط الدراستين "الصحة النفسية في السجون اللبنانية"، و "واقع السجناء ذوي الأمراض العقلية أو النفسية في لبنان ووضعهم تجاه القوانين الجزائية اللبنانية في ضوء القوانين المقارنة ـ وواقع السجناء المحكومين بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة في لبنان واشكالية اطلاق سراحهم بموجب قانون تنفيذ العقوبات في ضوء القوانين المقارنة ـ إعداد القاضي حمزة شرف الدين على الموقع الإلكتروني لـ "السفير".
(ملاك مكي - السفير)