يكتسب ترميم مسجد "العطار" ميزة مختلفة عن عمليات الترميم التقليدية، ذلك التحدي الذي يخوضه القطاع الانمائي في جمعية "العزم والسعادة" يهدف إلى وقف الإنحدار الحاصل في الواقع البائس الذي تتخبط به آثار طرابلس جراء الإهمال عبر إتباع أحدث الاساليب المعتمدة عالميا في مجال الترميم ولأجل تصويب المسار عبر إعادة الاعتبار للكنز العمراني الكامن في المدينة القديمة.
أهمية الورشة ليست نابعة من كون جمعية "العزم والسعادة" تعمل على تأهيل وصيانة المساجد كعادتها في طرابلس، بقدر الحفاظ على الارث العمراني الفريد والتعاون الكامل مع مديرية الآثار في وزارة الثقافة ودائرة الاوقاف الاسلامية كما الجهات المعنية الاخرى، جرى تلزيم دراسات علمية متخصصة نظرا إلى المشاكل المتشابكة، وذلك بهدف عدم الوقوع في شرك التشويه بقصد الترميم كما جرى سابقاً. أما الاشكالية التي اعترضت العمل والتنفيذ تتلخص بعدة عوامل في طليعتها الإهمال المزمن والابنية المخالفة التي أدت مع مرور الزمن إلى ضرر كبير بالتعامل مع أبنية تاريخية قد لا يكون لها مثيل في هذا العالم.
يبدو المسجد المذكور كالمختبىء وسط محيط مهمل للغاية من ناحية الخدمات العامة والبنى التحتية داخل الازقة الضيقة في الاسواق الداخلية في طرابلس، بحيث لا يخيل للوافد أن الدروب المتعرجة داخل الازقة الضيقة تفضي إلى هذه الميزة العمرانية الفريدة من مأذنته الضخمة والطويلة وذات الهندسة الفريدة عن النمط المملوكي، إلى صحن الجامع الذي بني على مراحل كما توحي الانماط المختلفة بالعمارة والزركشة المنسحبة من الجدران والقناطر إمتدادا نحو المنبر، فالارضية التي رصفت بحجارة ورخاميات مختلفة.
تأنٍ في العمل
المهندس المشرف على المشروع جميل جبلاوي روى لـ"لبنان 24" فصولاً مشوقة عن قصة ترميم هذا الاثر. فجمعية "العزم والسعادة" إستجابت لتمنيات دار الفتوى بتأهيل جامع "العطار" ضمن التوجهات العامة للاهتمام بكل مساجد المدينة، وعليه كان من المفترض الانتهاء من الاعمال سريعاً لكن ومن منطلق المحافظة على القيمة الاثرية وعدم تشويه الخصائص العمرانية الاصلية، والاهم بروز مشاكل متشابكة جراء التعديات والبناء المخالف على ارض حرم المسجد، التي كادت تهدد كيان وأساسات البناء بأكمله، فجرى تطوير المشروع تلقائيا نحو المحافظة على هذا الاثر النادر في عمارة طرابلس التاريخية، وهذه المهمة تطلبت حكماً التأني في العمل وتنفيذ الترميم بطريقة مختلفة تماما عن أي عملية تأهيل عادية.
وينطلق المهندس جبلاوي من حالة المسجد الراهنة، والتي يغلب عليها التدهور ليشير إلى ناحيتين: الأولى إتباع أحدث الاساليب المعتمدة عالميا والتنسيق الكامل مع مديرية الآثار ومنظمة الاونيسكو ودائرة الاوقاف وأطراف أخرى كي يتحول تأهيل مسجد "العطار" إلى مفترق أساسي لطريقة التعاطي مع آثار طرابلس من ناحية التشويه المتمادي بإسم الترميم عبر التغيير بمعالم الاثر أو العبث به. اما الناحية الاخرى فتكمن بالمخاطر المحدقة بمصير المسجد "الذي كان آيلاً للسقوط جراء التشققات في الجدران وتسرب المياه الى عمق تربته في ظل بناء 4 شقق سكنية مخالفة فوقه مباشرة ووجود تعديات أخرى" .
وأضاف المهندس جبلاوي: "نحن نقوم بتقييم الواقع الحالي ووضع الدراسة اللازمة بالوسائل التي تليق بهذا المعلم الاثري الذي بني منذ 700 سنة، ثم القيام بترميمه وفق المواصفات والضوابط العلمية والتاريخية، علما أن المسجد تعرض للتعدي والتخريب جراء تشييد ابنية مخالفة فوقه شبيهة بالتخريب العام لمعظم الآثار التاريخية في طرابلس. كما أصيب المسجد أثناء الحرب الاهلية فانهارت أجزاء من الابنية المتصلة به أو المبنية عليه، والتي هي بدورها معرضة ايضاً للانهيار. أما في داخل المسجد فهناك حاجة ملحة لتدعيم الجدران والأرضيات، ناهيك عن مياه الصرف الصحي ومياه الامطار المتغلغلة عميقا وصولا الى الاساسات، ويجري حاليا الكشف عليها ومعالجتها".
من جهته، استعرض رئيس قسم الهندسة في دائرة الاوقاف الاسلامية المهندس حازم عيش خصائص "مسجد العطار"، بما في ذلك وجود تباين حول تاريخ بنائه لكونه بني على مراحل وحقبات ليؤكد على ضرورة الترميم بما يتناسب مع هذه الأهميتة الفائقة و النادرة، مضيفاً: "يجري حاليا تحليل العناصر المعمارية بالتنسيق ما بين الجهات المعنية بعملية الترميم، خصوصا أنه تم تسجيل وجود بركة رخامية متكاملة تعرضت لتشويه بعض معالمها في غرفة الوضوء مطمورة تمهيدا لإعادة المسجد إلى طبيعته كما بني عليها منذ نحو 700 عام".
(خاص "لبنان 24" - طرابلس)