طالب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الإدارة الأميركية الجديدة بمزيد من الاهتمام بالمنطقة، ومزيد من التدخّل. وقال: "علينا العودة إلى المسألة الأساسية في المنطقة التي لايمكننا تجنّب الكلام عنها، والتي نُسيت تماماً بسبب الأحداث في العراق وسوريا وليبيا، وهي فلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي. لكنني أتساءل ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستولي حقّاً اهتماماً إلى هذه المسألة.
وإذا كنا أمام نهاية الحقبة الأميركية في الشرق الأوسط، أجاب جنبلاط خلال حديث مطول أجراه الصحافي مايكل يونغ نشر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط: "هذه ليست النهاية، بل ثمة نوع من تقاسم السلطة بين الولايات المتحدة وبين القوّتَين الصاعدتين الجديدتين: إيران وروسيا. بالطبع، لطالما كان للروس حضورهم، غير أن سياسة فلاديمير بوتين وتوجّهاته العدوانية من أوكرانيا إلى القرم فسوريا، قد ترسي نظاماً جديداً، وحدوداً جديدة، بالتشارُك مع الأميركيين وبتقاسم النفوذ معهم.
وسئل جنبلاط: كان التدخل الروسي حاسماً بالفعل. هل يعني ذلك أن بشار الأسد سيتمكّن من البقاء سياسياً؟أجاب: أجل، لسوء الحظ، وبشكل وقح، وبطريقة لاأخلاقية. وذلك بفضل الروس، ولامبالاة الأميركيين، وبالتحديد أوباما، وبالطبع بفضل إيران. ونحن نستشفّ مؤخراً مؤشرات جديدة عن تحوّلٍ تركي مثير للقلق للغاية. إذ يتردّد أنه قد يُعقَد اجتماع بين الرئيس بشار الأسد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في موسكو. بالنسبة إلى الأتراك، الهمّ الأساسي هو التهديد الكردي، وهم الآن يتعاطون مع الأكراد، ويتناسون معاناة الشعب السوري. يا له من مصير رهيب يتلظى به الشعب السوري. إنه متروك لمصيره في لعبة النفوذ الكبرى هذه، وهو عرضة إلى التدمير والترحيل في هذه اللعبة اللاأخلاقية.
وعما إذا كان وجود اللاجئين السوريين في البلدان العربية وتركيا سيتحوّل إلى وجود دائم، قال جنبلاط: أظنّ أن مانراه في سوريا أسوأ مما حلّ بالفلسطينيين في العام 1948. إنه مشابه له. لكن إذا ما أردنا المقارنة بين معاناة الفلسطينيين في العام 1948 وبين معاناة السوريين اليوم، كانت معاناة الفلسطينيين، نسبياً، أقل مما يعانيه السوريون اليوم.
وأكد جنبلاط انه سيتمسك بمعارضته السياسية والأخلاقية "لممارسات النظام السوري". وتابع: "أشعر بضيق وكره شديدين لأنه بعد خمسة أعوام، لايزال الأسد في السلطة، ولايزال النظام قائماً، لأنه أفاد من التحالفات الشيطانية والمتبدِّلة، ومؤخراً من مواقف الأمم المتحدة. الفضيحة التي ظهرت مؤخراً حول مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا تتنافى مع ادّعاءات المنظمة بأنها تعمل من أجل حماية حقوق الإنسان. لقد قدّمت الأمم المتحدة ملايين الدولارات لمساعدة سورية، لكن الأموال أُرسِلت إلى عائلة الأسد، وفي شكل أساسي إلى عقيلة بشار الأسد. الأمم المتحدة أقرّت بهذا الأمر، مشيرةً إلى أنها كانت تحاول إنقاذ الناس، لكنها قدّمت في الواقع حقنة في عضل النظام والأسرة الحاكمة. إنها كارثة أخلاقية، ووصمة عار على جبين الأمم المتحدة، واشار إلى انه لا يرى نهايةً للحرب السورية.
سئل جنبلاط : ما مستقبل شخص مثلكم في بلد يخضع، حتى مستقبل منظور، إلى سيطرة "حزب الله"؟ فرد: "لا مستقبل لدي، فهدفي الوحيد هو الحفاظ على البقاء. وآمل بأن أكون قد نقلت هذه الرسالة إلى نجلي. عندما تنتمي إلى طائفة صغيرة، يكون هدفك الوحيد هو حمايتها والحفاظ على البقاء. والبقاء هنا يعني إقامة علاقات جيّدة مع مختلف مكوّنات البلاد، وعلى رأسها حزب الله. هذا هو السبيل الأسلم ليتمكّن الدروز من البقاء والحفاظ على ماتبقّى لهم سياسياً وديموغرافياً.
ولفت جنبلاط إلى ان تحالف 14 آذار 2005 كان حلماً جميلاً، لكن لم يكن يملك أي برنامج سياسي عدا إخراج السوريين من لبنان. أضاف: "لقد شعر بشار الأسد ، ربما لأول مرة في تاريخه وقد تكون المرة الأخيرة بالخوف، وأقدم على سحب قواته في نيسان 2005. انقسمت البلاد لأننا أصبحنا أسرى الأحلام بأننا قادرون على إضعاف حلفاء الأسد في لبنان، أي حزب الله. لكننا كنّا نأمل أيضاً بأن يُبادر ما يُسمّى المجتمع الدولي هذا المفهوم هو أيضاً وهمٌ كبير، كذبة كبيرة إلى التحرّك لإضعاف النظام السوري. لكنه لم يحرّك ساكناً آنذاك، ولايحرّك ساكناً الآن.
وأعلن جنبلاط ان الرئيس سعد الحريري يزداد ضعفاً، وقال: لسوء الحظ. لا أعرف أسباب ذلك، لكن حليفي الأقوى يزداد ضعفاً باضطّراد. وهذا محزنٌ. محزنٌ جدّاً.
وعن انتخاب رئيس للجمهورية، أعلن جنبلاط انه لا يرى أن ذلك سيحدث في المستقبل المنظور. وأضاف: "بالطبع، مَن يبتّ في الموضوع الرئاسي هما القوّتان الإقليميتان، إيران وسوريا. لاينبغي التقليل من شأن النفوذ الذي يتمتع به الأسد وقدرته على إفساد الأمور. هدفهم هو إخضاع المناطق التي يسيطر عليها الثوار في سورية. فعندما ينجحون في تحقيق ذلك، وهم يعملون على تحقيقه بصورة تدريجية إنما مقابل ثمن باهظ جدّاً، يمكنهم أن يفرضوا على لبنان وصاية جديدة، ربما مع شروط جديدة. في هذا الصدد، بعض المسيحيين أو بعض الزعماء في الطائفة المارونية غافلون عن أنه قد يتم تعديل الدستور بما يتعارض مع مصالحهم. ربما البعض مستعدّون للقبول بهذا الأمر، على غرار ميشال عون. لكن ذلك يتوقّف على المكاسب العسكرية للجيش السوري وحلفائه."
وتابع: "نحن في مأزق، إنها حرب استنزاف. وفي حرب الاستنزاف هذه، هم أقوى منّا وأكثر قدرة على الصمود. نحن لسنا موحّدين؛ على المستوى الاقتصادي، تشهد البلاد تراجعاً كبيراً، وتعاني من هشاشة شديدة. من يدري ماقد يحدث بعد سنة؟ في الوقت الراهن، نحن قادرون على الاستمرار، لكن من يدري ماقد يطرأ بعد عام من الآن؟ والطرف الآخر لايأبه، ويملك سيطرة مطلقة داخل طوائف بكاملها. أقصد، لاتقولوا لي إنهم لايفيدون من الانقسامات في صفوف المسيحيين. بلى يفيدون. حتى في صفوف السنّة، لديهم ميليشياتهم ونفوذهم. وفي صفوف الدروز أيضاً.
أما عن إمكان عقده مصالحة مع الرئيس بشار الأسد، في حال بقائه، قال: "كلا، لن أفعل ذلك. فهذا يعني نهايتي السياسية. أفضّل الانتحار بشروطي أنا بدلاً من الذهاب إلى سوريا ومصافحة بشار الأسد.
وعن تقاعده من الحياة السياسية، قال جنبلاط: "لم أتقاعد. نجلي تيمور تسلّم الجزء الأكبر من العمل، وأصبح لدي بعض أوقات الفراغ للسفر ومشاهدة بعض الأماكن في هذا العالم. أرغب في السفر إلى مزيدٍ من البلدان، لكنني لم أعد أقوى على ذلك جسدياً. إلا أنني أشعر بالرضى لأنني أرى تيمور يتقدّم بثبات نحو الأفضل، وآمل بأن يتمكّن من حماية طائفته وتأمين بقائها. بالطبع الظروف اليوم أصعب بكثير من تلك التي واجهتها أنا. هذه هي أمنيتي وإرادتي قبل الرحيل.
لقراءة المقابلة كاملة
اضغط هنا