إن أسوأ ما قد يصادف اللبناني يومياً "عالرايح والجايي والجايي والرايح"، وقبل أي موعد وبعده، عجقة السير التي ترفع من منسوب همومه اليومية الى درجة انه يتمنى حصول اعجوبة ما تساهم في التخفيف من أعداد السيارات غير المعقولة في الشوارع وتنتهي معها أزمة العصر، خصوصاً في الطرقات الضيقة حيث ينحشر السائق الذي لا أمل له في الهروب والتذاكي والتحايل، لكن اليوم بدا الامر مختلفاً، على غير عادة.
عند تقاطع غاليري سمعان وفي الطريق المؤدي الى فرن الشباك، أضيئت الاشارة الخضراء فيما بقيت السيارات مسمّرة في مكانها! وعادة ما تكاد تمرّ ثوانٍ حتى يبدأ سائقو السيارت بالصراخ والعويل والتذمر، وقد يتطور الوضع إلى أن يعاقب المسؤول عن هذه "الجريمة" الفادحة بالشتيمة والضرب، أو تلقي طلقة نارية في رأسه تودي به الى عالم لا زحمة سير فيه.
لكن الوضع كان اليوم معاكساً تماماً. فلا زمامير، ولا صرخات استنكار، ولا اشكالات على أحقية المرور، ولا سيارت آتية مسرعة عكس السير، ولا من يبالي بصب جام غضبه على سائق "السيارة الأولى" بسبب وقاحته اللامتناهية في عرقلة السير. لا شيء من هذا كله حصل، ولا شيء سوى صمت ساد المكان.
أحد السائقين ضاق به الامر ذرعاً من الإنتظار متسائلاً ماذا يحصل؟ ترجل من سيارته محاولاً حل الوضع الميؤوس منه ظناً منه أنه حادث سير أو سيارة تعطلت في منتصف الطريق، مستغلاً اللحظات الأخيرة قبل أن تضاء الاشارة الحمراء، لكن الواقع صدمه، إذ أن سائق تلك "السيارة الاولى" كان مشغولاً بالحديث على تطبيق "واتس آب" باسترخاء وهدوء تام، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السيارت التي وراءه. أما السيارت البعيدة عن المشهد فقد وقعت في فخ الانتظار عبثاً.
ما روي ليس من نسج الخيال أو مقتبس من مشهد تلفزيوني حصل في بلد آخر، بل أحداثه جرت في لبنان، بركاتك يا "واتس آب".