مَن منّا لم يكن له مع رائعة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم "هذه ليلتي" ذكريات في مكان ما في الزوايا المنسية على قارعات الطرقات العتيقة، ومَن منّا لم يحفظها غيباً وردّدها في الأمسيات، حيث يحلو السهر، بعدما حوّلها العملاق محمد عبد الوهاب إلى لحن خالد.
ولكن قليل منّا يعرف أن وراء هذه الأغنية الخالدة شاعر لبناني كتب كلماتها لأجيال وأجيال، وهو الذي ترك إرثاً ثقافياً غنياً، شعراً وادباً ونثراً ومقالات نقدية لاذعة. إنه الشاعر جورج جرداق، الذي تذكّرته بالأمس عاصمة غير عربية، وهي طهران، فأطلقت بلديتها اسم جورج جرداق على الشارع المؤدي إلى السفارة اللبنانية في العاصمة الإيرانية.
هذا الشاعر الجنوبي (من بلدة جديدة مرجعيون) المنسي في بلاده، ولا أذكر أن أحداً في لبنان ممن يهتّمون بالأدب، ولو صورياً، كرّمه في حياته أو مماته، يُكرّم اليوم في عاصمة ربما يردّد ابناؤها قصيدته من دون أن يدركوا معانيها، وقليل من الإيرانيين يتكلمون العربية.
آلمني الخبر، ليس لأن عاصمة كطهران تكرّم الجرداقي، ولكن لأن عاصمة الثقافة العربية تجاهلته، فأتى هذا الخبر يعمل في الجرح ما يفعله السكين، أو الملح المصبوب عليه، ليزيد من الوجع وجعاً.
ولمن لا يعرف شيئاً عن هذا الكبير من بلدي، وكيف ولدت كلمات "هذه ليلتي"، نعود بالذاكرة إلى العام 1967، كما رواها الجرداق نفسه، يوم قال له صاحب "يا جارة الوادي"، وكانا يمضيان سهرة من سهرات الصيف الجميلة في أحد مقاهي بحمدون: تحدّثت اليوم مع أم كلثوم عبر الهاتف وسألتني عنك وعن اطالة غيابك عن مصر، وهي تهديك تحيّاتها وتطلب منك أغنية للموسم الجديد.
ويتابع جرداق:"وصار عبد الوهاب كلّ ليلة يسألني أين أصبحت القصيدة ؟ وفي احدى الليالي وكان معنا يوسف وهبي واحسان عبد القدّوس ونجاة الصغيرة وفريد الاطرش، فوشوشني بأن نخرج إلى الشرفة المطّلة على الوادي وهناك رحت أدندن بعض أبيات الشعر فطلب مني أن اعيدها على مسمعه، وصاح هذه هي القصيدة التي نبحث عنها ". فكانت رائعة "هذه ليلتي".
فمن بيروت إلى طهران سلامٌ إلى روح جورج جرداق، الذي لو أعيدت له لقال: بيروت التي احببتها بجنون حتى الرمق الأخير، عروسة البحر، ولؤلؤة الشرق، وملهمة الشعراء، أبكيك اليوم كطفل فقد أمه.