لم أصدّق للوهلة الأولى أنّ ما رأيته يحصل بالفعل في لبنان وليس في سويسرا، أو في أي بلد آخر، تُحترم فيه قوانين السير.
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، وكانت حركة السير ناشطة، وكأننا في عزّ النهار، وعند تقاطع برج حمود – النهر في اتجاه العدلية، أضيئت الشارة الحمراء، ولم يكن في هذا الوقت قد حضر أي من شرطة السير، الذين يتواجدون في هذه النقطة عند ذروة الزحمة. وكانت المفاجأة، التي صدمتني، علمًا أن هذا التعبير لا يستثيغ كثيرين، حيث بقي الجميع ينتظرون الضوء الأخضر، من دون زمامير أو تأفف المستعجلين.
ففركت عيني جيدًا لكي أتأكد أني لست في منام أو أن ما اشاهده ليس حلمًا، لأتيقن أن ما هو أمامي هو مشهد لم نعتد عليه كثيرًا.
قد يكون السبب في هذا الإنضباط التلقائي أن الذين يغدون باكرًا على أشغالهم هربًا من زحمة أصبحت من مستلزمات الحياة اليومية، والتي لا حلّ لها في المنظور لا القريب ولا البعيد، هم أكثر رواقًا من الذين يقصدون اشغالهم وهم على عجلة من أمرهم.
مشهد نتمنى أن يعمّم على مدى ساعات الليل والنهار، فنعيد إلى بيروت صيتها الذي لا نزال نتغنى به، عندما نريد أن نتشبّه بغيرنا، فتصبح هذه العاصمة التي أكلتها الزبالة، عن حق وحقيق "سويسرا الشرق"، ونقول مع الذين يرون النصف الملآن من الكأس: لا ينقصنا الكثير لكي نصبح في مصاف الدول التي يحترم ناسها قوانينها وانظمتها. وقد تكون زيارة دبي من وقت لآخر مفيدة.