أبشع ما تفعله مواقع التواصل الإجتماعي هو إظهارها "الفيروسات" المتفشية في المجتمع بشكل صريح ووقح وفذّ. مثلاً، "فيروس" التمييز على أساس السنّ الذي لا يعرف حامله أصلاً...أنه حالة غير طبيعية وغير صحيّة. تراه يخال نفسه حاملاً "نعمة" خاصة ومميّزة تجعله خارق القوّة. يؤمن بأنه "مهضوم"، صاحب روح مرحة، سريع البديهة، "فهلويّ" في فنّ الكوميديا والنقد الساخر. لكنه في الحقيقة، يُشعرنا بالغثيان.
لم تعتد أغلبية الشعب اللبناني على سماع مصطلحات مثل "التمييز على أساس العمر". بالكاد يعير البعض اهتماماً لآفة "التمييز العنصري أو الجندري"! لكنّ مجتمعاً مشبعاً بالقيم والأخلاقيات والقواعد الدينية (بحسب ما يُفترض ويُقال)، يجب، وبصرف النظر عن مفاهيم المنظمات الحقوقية العالمية وتشريعاتها وتوصياتها، ألا يرتكب حماقات تمسّ بكبار السنّ أصلاً! بيد أن ما يتمظهر في الآونة الأخيرة، وبخاصة على "السوشيل ميديا"، يؤشر إلى العكس تماماً.
والحال أن هذه المواقع التفاعلية على شبكة الإنترنت، هي مرآة المجتمع. هنا وهناك، ثمة من لا يجد أي ذريعة لرفض ترشيح النائب ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، إلا عمره. لم يتردد أحد النوّاب الحاليين في البرلمان الممدد لنفسه في طلب شهادة صحيّة للجنرال، وجاهر بذلك على وسائل الإعلام. ولم يمانع بعض "مراهقي" برامج التعليقات والنقد والكوميديا صبّ جرعات سخافة إضافية في كؤوس المشاهدين المرّة، فأحضروا كرسياً متحركاً إلى قصر بعبدا. ولم يشعر كثيرون بأي حرج أو خجل بعد نشر صور مركبّة لكبير في السنّ يُسأل "شو حلمك يا عم"، فيجيب "اعمل رئيس جمهورية".
هكذا، صار الكبير في السنّ محطّ سخرية وتهريج. ما عاد لهذا المخلوق مهما فاض منه فكر، أو قيمة، أو حكمة، أو خبرة، أو تضحيات، من مكان على وجه هذه الكرة الأرضية اللعينة. ولا من منفعة. أو فائدة. أو كرامة. بات على "هذا الوقح" أن يرحل ويأخذ معه أمراضه، وتكراراته، وذاكرته المضخمة، ورائحة الزمن، والعينين الغارقين في ضباب حنين ابيض. أو نستغرب بعد لماذا يبكي كبارنا كطفل خائف من قناع زيّ تنكريّ؟! أو نتعجب من مشهد عجوز يتوّسلنا شراء علكة كي يأكل لقمة خبز، أو من ثمانينية تناجي الموت أن ينتشلها من "سجن" المأوى وظلمه؟!
لا داعي للتعجبّ بعد ما رأيناه من تحقير واستضعاف وتمييز. بعضنا في لبنان، يختصر الانسان برقم أو بتجعيدة وجه. ثمة فرق كبير بين أن يطالب المواطن برئيس جمهورية أو نائب او مسؤول شاب يحاكي أحلامه وتطلعاته وعصره، وهذا حق مشروع...وبين أن يرتكب، عن قصد أو غير قصد، "جرم" التمييز على أساس العمر.
فعلاً، هزلت الأخلاق. بل هرمت.."وانشالله كلنا منضحك بلا سنان"!
للتذكير:
"يجتاز العالم عملية تحول ديمغرافي فريدة من نوعها لا رجعة فيها ستؤدي إلى شيوخة السكان في جميع أرجاء المعمورة. ومع تراجع معدلات الخصوبة، يُتوقع بين عامي 2007 و 2050 أن تتضاعف نسبة الأشخاص البالغة أعمارهم 60 عاما فأكثر، وأن يزداد عددهم الفعلي بأكثر من ثلاث مرات ليصل إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050. وفي معظم البلدان، يُرجح أن يزيد عدد من تتجاوز أعمارهم 80 عاما بمعدل أربع مرات ليصل بحلول ذلك العام إلى ما يقرب من 400 مليون نسمة.
وينظر الآن بشكل متزايد إلى كبار السن باعتبارهم مساهمين في التنمية ينبغي أن تدمج قدراتهم على العمل من أجل النهوض بأنفسهم ومجتمعاتهم في السياسات والبرامج على جميع المستويات. ويعيش في الوقت الراهن 64 في المائة من جميع كبار السن في المناطق القليلة النمو _ ومن المتوقع أن تقارب هذه النسبة 80 في المائة بحلول عام 2050.
ولبدء معالجة هذه القضايا، عقدت الجمعية العامة في عام 1982 الجمعية العالمية الأولى للشيخوخة التي تمخضت عن "خطة عمل فيينا الدولية للشيخوخة المكونة من 62 نقطة. وتدعو الخطة إلى إجراءات محددة بشأن قضايا مثل الصحة والتغذية، وحماية المستهلك المسن، والإسكان والبيئة، والأسرة، والرعاية الاجتماعية، والعمل وضمان الدخل، والتعليم، وجمع بيانات البحوث وتحليلها.
وفي عام 1991، اعتمدت الجمعية العامة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن، معددةً فيها 18 استحقاقاً لكبار السن تتعلق بالاستقلالية والمشاركة والرعاية وتحقيق الذات والكرامة. وعُقد، في العام التالي، المؤتمر الدولي المعني بالشيخوخة لمتابعة خطة العمل، الذي اختتم باعتماد إعلان بشأن الشيخوخة وأعلان عام 1999 بوصفه "السنة الدولية لكبار السن.
واستمر العمل لمصلحة كبار السن في عام 2002 حيث عقدت الجمعية العالمية الثانية للشيخوخة في مدريد. واُعتمد إعلان سياسي إضافة إلى خطة عمل مدريد الدولية للشيخوخة بهدف وضع سياسات دولية للشيخوخة مواءمة للقرن الحادي والعشرين. وتدعو خطة العمل إلى تغيير في المواقف والسياسات والممارسات على جميع المستويات للاستفادة من الإمكانات الهائلة لكبار السن في هذا القرن. وترد في الخطة توصيات محددة للعمل تقضي بإعطاء الأولوية لكبار السن والتنمية، ورفع مستويات الصحة والرفاه بما يشمل مرحلة الشيخوخة، وإيجاد بيئات تمكينية وداعمة لهم.
’’يتضمن بناء مجتمع لجميع الأعمار هدف إتاحة الفرصة أمام كبار السن لمواصلة المشاركة في شؤون المجتمع. والعمل من أجل تحقيق هذا الهدف يستلزم إزالة كل ما يستبعد كبار السن أو يمثل تميزا ضدهم.‘‘
الشيخوخة، القضايا العالمية، الامم المتحدة