لم تكن طريق رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون إلى قصر الرئاسة اللبنانية، المتوقع أن يدخلها بعد ظهر يوم الاثنين المقبل معبدة بالورد، بل بكثير من الصعوبات التي جعلت منها "حلما مستحيلا" لمدة 27 سنة. وهذا، قبل أن يتحقق هذا "المستحيل" بقبول رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري بترشيحه، فاتحًا له أبواب القصر المقفلة منذ 26 أيار 2014 بعدما غادره الرئيس السابق ميشال سليمان من دون أن يتمكن البرلمان من انتخاب بديل له في سدة الرئاسة.
خاض ميشال عون في مسعاه لرئاسة لبنان حروبًا دموية قاسية، كما أجرى مصالحات تتحدى المنطق السياسي في أبسط صوره، لكن النتيجة أتت إيجابية بالنسبة إليه مع تذليل آخر العقبات أمام الحلم المستحيل، الذي من المقرر أن يتحول حقيقة في صناديق الاقتراع يوم الاثنين.
بدأ الحلم "العوني" بالرئاسة في أيلول 1989، عندما عيّنه الرئيس السابق أمين الجميل رئيسًا لـ"حكومة عسكرية" - استقال وزراؤها المسلمون الثلاثة فور إعلانها - مهمتها تولي الحكم مؤقتًا بعد فشل البرلمان في الانعقاد لانتخاب رئيس جديد للبلاد. وتولد هذا الوضع عن احتدام الخلافات الداخلية، وانهيار مبادرة أميركية - سورية بالتوافق على النائب مخايل الضاهر للرئاسة. يومذاك حذر الأميركيون القيادات المسيحية الرافضة انتخاب الضاهر بوضعها أمام معادلة تقول: "مخايل الضاهر أو الفوضى".
ودخلت البلاد في الفوضى الفعلية بعد فشل انتخاب رئيس جديد، واستقالة نصف وزراء الحكومة العسكرية (الأعضاء المسلمين) وبقاء حكومة الرئيس سليم الحص مسيطرة على أجزاء كبيرة من لبنان.
"حرب التحرير".. وسوريا
تسلم عون قيادة الشطر الشرقي من بيروت، وبزغ نجمه بوصفه أحد القادة المسيحيين البارزين، فانتقل للإقامة في القصر الجمهوري. ثم ما لبث أن فتح أبوابه أمام مناصريه مطلقا عليه اسم "بيت الشعب" حيث كانت تقام النشاطات المتضامنة معه، والداعمة لوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
ويورد كثير من القياديين السابقين في تيار عون وجود اتصالات بين عون والقيادة السورية، قبل وبعد، تعيينه رئيسا للحكومة العسكرية، تهدف إلى إقناعهم بالقبول به رئيسا للبلاد باعتباره حلا وسطا بين الأطراف المتنازعة.
ويورد إيلي محفوض، القيادي السابق في تيار عون، رواية مفادها أن عون أوفد أحد مساعديه إلى الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد حاملاً إلى الأسد رسالة يقول فيها: "إنني عسكري، وبهذه الصفة أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطًا صغيرًا في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عمومًا وللمسيحيين خصوصًا، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أرد لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا. ومن حق سوريا علينا أن نوفر لها أسباب الطمأنينة، وأن نشرّع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة إلى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها". ويتحدث محفوض عن "شبكة الموفدين المتعددة الأسماء، التي تبدأ سلسلتها بالوزيرين السابقين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزّي الذي تولى شخصيًا معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه في باريس إلى بيروت، كما تولى شخصيًا، وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية".
وفي حين أكد محفوض لـ"الشرق الأوسط" ثقته بهذه المعلومة من منطلق أن "أحدا لم ينفها"، من جهتها، نفت مصادر قيادية في "التيار الوطني الحر" وجود رسالة مماثلة نفيًا قاطعًا، قائلة إن الموضوع مختلق جملة وتفصيلا، ولافتة لـ"الشرق الأوسط" إلى أن من أشاع هذه الأخبار قبل سنوات "معروف التوجهات والأهداف" حسب تعبيرها. وتضيف المصادر العونية أن "تاريخ العماد عون ناصع كالثلج.. أما الذين يختلقون الأخبار لتشويه صورته فهؤلاء تاريخهم وحاضرهم يشهد لفشلهم".
وبعد فشل كل محاولات التسوية السياسية، انتقل عون إلى الهجوم، معلنًا "حرب التحرير" ضد الوجود السوري في لبنان، مطلقًا حملة عسكرية عنيفة لم تؤد إلى تغييرات جغرافية، لكنها حملت كثيرا من الدمار والموت إلى طرفي خطوط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية. وفي وقت لاحق تبادل عون و"القوات" اللبنانية الاتهامات حول التسبب بالقصف الذي أوقع عشرات القتلى يوم اندلاع المواجهة العسكرية الأولى في آذار 1989. إلا أن الثابت أنها كانت واحدة من الحلقات الدموية في الحرب الأهلية اللبنانية.
ولكن عجز هذه الحرب عن إحداث تغييرات بنيوية، أدّى في وقت لاحق إلى خروج النار من تحت الرماد في علاقة عون مع "القوات اللبنانية"، إذ قرّر عون توحيد البندقية في الشارع المسيحي وبسط سلطة المؤسسة العسكرية اللبنانية (أو الجزء الذي يقوده) على كامل هذه المناطق، فاصطدم مع "القوات اللبنانية" في عام 1990 بحرب دموية شرسة قلّ مثيلها في لبنان طوال الحرب الأهلية اللبنانية وأدت إلى مقتل المئات من الجانبين وسميت بـ"حرب الإلغاء".
لقراءة المقال كاملًا
إضغط هنا
(ثائر عبّاس - الشرق الاوسط)