في الحيثية القضائية، هو بمثابة ضابط عدلي مساعد للعدالة، تقريره يمثل المسافة الفاصلة بين الحرية وحبل المشنقة أو قبضان السجن. وجوده يشكل صلة وثيقة بين الطب والقانون.. إنه الطبيب الشرعي الذي يقدم الأدلة المحسوسة في تقاريره لمساعدة رجال القانون والقضاء من أجل الارتكاز اليها في الأحكام.
فما هو واقع الطب الشرعي في لبنان الذي سجل في السنوات العشر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الجرائم بحسب الإحصاءات المتوافرة لدى الضابطة العدلية والمحاكم، وكيف يمكن الوثوق بالطبيب الشرعي ومن يحاسبه إذا ارتكب خطأ ما؟ ما هي نسبة هذا الخطأ لدى أطباء يملكون القدرة، بمجرد توقيع تقرير طبي، على الإسهام في تبرئة مجرم أوتجريم بريء؟
يشكل الطب الشرعي فرعاً من فروع الطب الذي يختص في تشخيص سبب الوفاة أو حوادث الصدم، وهو بالتالي يخدم الحالات الجنائية ويعتمد على مجموعة كبيرة من العلوم أسهمت التكنولوجيا الحديثة في إبرازها: علم الجنايات لمعرفة كيفية التسمم، وحالات الإدمان على المخدرات، التصوير الفوتوغرافي الذي يتيح معرفة كيف "ينفلش" الرصاص والمسافة التي أطلق منها، علم الأسلحة النارية، علم السلاح الأبيض،علم الأسنان وعلم التشريح الذي هو من أبرز التقنيات في علم الجريمة، وقد بات إجراؤه ممكناً بواسطة المنظار أو التصوير الصوتي لعدم تشويه الجثة، كل هذه التسهيلات التي تقدمها التقنيات الحديثة يجب أن تترافق مع العلم والخبرة والضمير ليتمكن الطبيب من تحديد حجم الأذى اللاحق بالضحية والوقوف عند السبب الحقيقي للوفاة.
في لبنان يبدو الإقبال على دراسة الطب الشرعي متدنية نسبياً لأن مداخيله قليلة وعمله "مقرف ومقزز"، لا شيء يوضح التعرفة التي يجب أن يتقاضاها هؤلاء الأطباء، والمبلغ المتعارف عليه هو خمسون ألف ليرة للتقرير الطبي ومئة ألف لمعاينة جثة في مكان الجريمة أو الحادث أو المشرحة.
ويعمل الطبيب الشرعي تحت سلطة وزارة العدل ويمارس مهامه تحت رقابة النيابة العامة، التي لها وحدها حق دحض التقرير أو الأخذ به من خلال لجان طبية تعينها لاعادة بت أي تناقض قد يرد في التحقيق، علماً أنه من حيث المبدأ من الناحية العلمية والمهنية، اذا تم تشريح جثة في نفس الظروف، وعلى ضوء نفس المعطيات والمعلومات، فإن التقارير التي تنتج عن التشريح عملية آنية من الصعب تكرارها حفاظاً على دقة المعلومات والنتائج.ويمثل هؤلاء الأطباء أمام المحاكم للإدلاء بشهادتهم أو إعطاء الرأي والخبرة وهم يواجهون أحياناً محامي الضحية ومحامي المتهم على حد سواء.
تعين وزارة العدل الأطباء الشرعيين وجداولها تتضمن أسماء ثمانين طبيباً فيما الأطباء المتخصصون في الطب الشرعي والمسجلون لدى نقابة الأطباء لا يتجاوز عددهم 26 طبيباً، من هنا يبرز التفاوت في المعلومات بين جداول النقابة وجداول وزارة العدل، التي لا تزال تخضع لروحية القانون القديم المتعلق بهذا الإختصاص والذي كان معمولاً به في الأربعينيات، أي قبل القفزة النوعية في الطب الشرعي عالمياً.
لا يحتاج لبنان الى أكثر من 15 طبيباً شرعياً وواقع الأمر يشير الى أن هناك من تلقى دورات أو دروساً في الطب الشرعي لعدة أشهر، إنما ليس كتخصص، وبالتالي فإن عدد الذين تخصصوا في الطب الشرعي لا يتجاوز 12 طبيباً، كما أن هناك عدداً درس جزءاً من هذا الاختصاص. واللافت أن لا وجود لمشرحة حقيقية في لبنان وأن تلك التي في بعبدا هي أقرب الى مسلخ يعمل فيها أشخاص من الهند وباكستان وتعاني انقطاع التيار الكهربائي الدائم عن البرادات بحيث لا يمكن تحمل رائحة الجثث المتحللة.
الطب الشرعي ليس مجرد تفصيل في طريق الوصول الى العدالة وليس من كماليات التحقيق الجنائي، بل هو ركيزة يمكن أن تكشف الحقيقة التي اذا غابت يمكن أن تسهم في التفاف حبل المشنقة حول عنق بريء أو إبعاد السجن عن مستحقيه، فإلى متى يبقى الطب الشرعي في لبنان "عدم شرعي؟".
("
لبنان 24")