أكد وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل أن "الشرق الأوسط يمر بفترة شديدة الاضطراب ويواجه موجات مدمرة من العنف والتطرف والطائفية والعنصرية والإرهاب وتتناهشه جهات فاعلة تهدف إلى تغيير وقائع راسخة منذ قرن من الزمن، إما من خلال فرض نماذج سياسية "جاهزة للاستخدام"، ولو بالقوة، أو من خلال ظهور مشاريع خلافة وهمية وغير مألوفة".
وإذ أشار باسيل خلال ندوة بعنوان "دور الهوية والتاريخ في رسم السياسة الخارجية" نظمتها وزارة الخارجية والمغتربين في لبنان وكلية الحقوق في جامعة الروح القدس- الكسليك إلى أنه "ليس مفاجئا بالتالي أن تعلن داعش عام 2014 في بيان إعلامي استعراضي نهاية سايكس بيكو"، قال: "في الواقع، يبدو تنظيم داعش مصمما على إبادة جميع الجوانب الإيجابية من سايكس بيكو، وأهمها: تعايش المذاهب الدينية في المنطقة، والدول التعددية، والدولة الحديثة (على الرغم من كل عيوب الأنظمة الاستبدادية والشمولية). هذه هي تحديدا الجوانب التأسيسية لهويتنا التي يزداد تشبثنا بها مع ازدياد التحديات قسوة. في البحار الهائجة، نتمسك بالمرجعية وهي "هويتنا".
وشدد على أنه "لا تزال هناك مؤشرات تنذر بالسوء، فنحن نشعر بالقلق إزاء عودة ظهور مفاهيم مثل الشرق الأوسط الكبير، التي تذكر بخطة عوديد يانون وبعقلية سايكس بيكو، أي إعادة تشكيل وتقسيم المنطقة بطريقة تتفق مع مصالح اللاعبين الكبار. في الواقع، تقوم قوى الشر بتبديد إرث سايكس بيكو من خلال تفكيك الحدود والتهديد بمحو وإبادة الهويات".
وقال باسيل: "يبدو أن هذه النسخة الجديدة من سايكس- بيكو 2 ستكون أسوأ بكثير من سابقتها حيث أن صياغتها لم تتم فقط من دون أي اعتبار لتاريخ وهوية الشعوب التي تعيش هنا، إنما تؤدي أيضا إلى عواقب وخيمة من حيث التهجير القسري للسكان، والمذابح، والمعاناة والدمار وطمس معالم المستقبل والماضي. إن ما يحدث الآن، وإحجام اللاعبين الرئيسيين عن وضع حد للصراع الدموي في سوريا وإيجاد حل لمشكلة اللاجئين، يعيد إلى أذهاننا عقيدة الصدمة التي تقضي بترهيب السكان، وتعريضهم لضغط رهيب للعديد من السنوات، مما يجعلهم غير مبالين ومحرومين من حقوقهم بحيث يقبلون بأي حل يفرض عليهم. من شأن ذلك أن يعيد العرب إلى الوضع الذي كانوا عليه بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية".
وأضاف: "إن ما نخشاه هو إعادة تشكيل المنطقة بصورة كاملة، ليس سياسيا فحسب، بل لجهة محو الماضي والهوية والثقافة، إضافة إلى أن اتفاقية سايكس بيكو الافتراضية ستبقي الأزمة الفلسطينية من دون حل".
وشدد على أنه "من المهم تسليط الضوء على هذه الاعتبارات، نظرا إلى أن مستقبل المنطقة والعالم يتوقف على حسن التقييم". وقال: "نحن بحاجة ماسة للتخلي عن العقلية الحالية وإعادة تقييم الوضع، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة حماية جميع الجوانب الإيجابية من سايكس بيكو. لقد حان الوقت للانخراط في نهج "أسفل-أعلى" الذي من شأنه أن يحملنا على إرساء النماذج الاجتماعية الخاصة بنا بدلا من أن نعاني من آثار العزلة الناتجة عن النماذج المفروضة علينا. يفترض ذلك الرفض المطلق للدول الأحادية المبنية على أسس طائفية. إن حماية هويتنا والحفاظ عليها في هذه المنطقة يمر عبر المحافظة على التنوع الذي يميز مجتمعاتنا. إن إعادة النظر باتفاقية سايكس بيكو في ظل أجندة خفية تقضي بإقامة مثل هذه الدول الأحادية ستكون بمثابة هدم جميع مكتسباتنا من الاتفاقية وتقديم الثأر لأولئك الذين أرادوا لمنطقتنا، قبل قرن من الزمن، أن تبقى مقهورة خاضعة، في حين أن المطلوب، على العكس من ذلك، هو بناء دول متسامحة متعددة الأعراق والديانات".
وقال وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل إنه "قبل الخوض في التحديات الحالية، من المفيد أن نخطو خطوة إلى الوراء لننظر إلى تسلسل الأحداث التي أدت بنا إلى ما وصلنا إليه اليوم"، وأضاف: "عام 1916، قبل مائة عام، انخرطت القوى الكبرى في الحرب العالمية الأولى، وعقد الحلفاء الفرنسيون والبريطانيون، ممثلين على التوالي بجورج بيكو ومارك سايكس، تفاهمات سرية لتقاسم الغنائم ومناطق النفوذ فيما بينهم، مع توقع زوال الإمبراطورية العثمانية كليا، ولكن مع الحفاظ على الدولة التركية الناشئة".
وتابع: "كان الحلفاء في الواقع يميلون خلال العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى إلى الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية بدلا من تقويضها. وقد أثار ضعف الامبراطورية الهرمة المخاوف في الغرب بشأن: أولا: قدرة الإمبراطورية على دعم الاستقرار وحماية الشعوب الواقعة تحت سلطتها. وثانيا: الشهية الاستراتيجية للإمبراطورية الروسية للوصول إلى البحار الساخنة".
وأكد باسيل أنه "في الواقع، صادقت روسيا على الاتفاق بين الحلفاء في مراحله المبكرة قبل أن تنسحب منه في وقت لاحق، في أعقاب الثورة البولشفية، وتكشفه للعثمانيين. في هذه الأثناء، انضمت إيطاليا إلى هذا الترتيب السري"، معتبراً أنه "لم تأت اتفاقية سايكس بيكو من العدم، إنما جاءت نتيجة عدة عوامل دافعة تضافرت لتتمخض عن هذا الواقع الجديد: إستراتيجيا، الطبيعة تمقت الفراغ. وقد جاءت اتفاقية سايكس بيكو لملء الفراغ الذي خلفته امبراطورية طواها النسيان؛ اقتصاديا، كانت شهية الحلفاء تزداد على النفط المكتشف حديثا في العراق؛ ثقافيا، كان الفرنسيون مهتمين بالمشرق حيث أنشئت بعثات ثقافية وتعليمية فرنسية، ومن الناحية الجيو-سياسية، شكل احتواء الإمبراطورية الروسية قوة دافعة رئيسية وراء اهتمام الحلفاء بالشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، كانت الإمبراطورية البريطانية تخشى من تمرد رعاياها المسلمين استجابة لدعوة السلطان للانضمام إلى الجهاد الذي قاده، إلى حد ما، المستشارون الألمان، والذي عرف بـ"الجهاد الألماني" السابق للجهاد الذي نعرفه اليوم".
ولفت إلى أنه "على الرغم من أن اتفاقية سايكس بيكو قد أقرت من وزارتي الخارجية في فرنسا وبريطانيا ومن ثم إيطاليا، إلا أن بعض بنودها لم ينفذ، لاسيما ما يتعلق منها بالقدس وجوارها التي كان ينبغي تدويلها. تنكر البريطانيون لهذا الشأن والتزموا تجاه الحركة الصهيونية بإنشاء دولة طائفية يهودية في فلسطين".
ورأى أن "هناك بطبيعة الحال العديد من الجوانب السلبية لسايكس بيكو، حيث لم تول الاتفاقية أي اهتمام بالمواطنين وبإرادتهم السياسية وأغفلت الأكراد وأهملت تطلعاتهم. وضللت العرب بآمال كاذبة، ومنحتهم حكما ذاتيا مؤقتا وبديلا، في حين أن بريطانيا وفرنسا أرادتا في الواقع ملء الفراغ، ووراثة أجزاء من الإمبراطورية العثمانية، من دون وراثة زعزعة الاستقرار التي قد تنتج عن انهيارها".
وقال: "كان ذلك تصرفا إمبرياليا فظا، وعادة ما يفضي هذا النوع من المبادرات- مثل "مهمة التحضير civilizing من قبل المنتصرين"التي تفرض الحلول من الأعلى إلى الأسفل- إلى أعمال عنف وإراقة دماء. كما ولدت الاتفاقية مصدرا مزمنا للاضطراب فشل المجتمع الدولي منذ ذلك الحين في لجمه، وهو قيام دولة إسرائيل".
واعتبر أنه "على الرغم من ذلك، لم تكن كل جوانب اتفاقية سايكس بيكو سيئة: لم تؤد الاتفاقية إلى النزوح القسري للشعوب ولم تلجأ إلى الهندسة الاجتماعية للتأثير على المواطنين ولم تتجاهل الهوية الاجتماعية والثقافية للسكان الأصليين ولم تفرض دينا واحدا. وأخيرا، نظرت إلى فلسطين كملاذ للديانات السماوية الثلاث. في هذه المسألة تحديدا، جاء انتقال السلطة كاملة إلى الصهاينة نتيجة ازدواجية البريطانيين أكثر مما كان نتيجة جوهر الاتفاقية".
ولفت الى أن "اتفاقية سايكس بيكو أوجدت حقائق على الأرض أصبحت راسخة ومتجذرة، ورسمت حدودا لا تزال مستمرة منذ قرن من الزمن وفرضت نموذجا للدولة يقوم على الهويات الثابتة القديمة في المنطقة، دون تعطيل النظام الاجتماعي في المشرق". وقال: "على سبيل المثال، لم تكن المملكة الأردنية الهاشمية موجودة من قبل وهي الآن دولة كاملة المواصفات. إضافة إلى ذلك، قاد لبنان مساره الخاص المحفوف بالصعاب والعثرات ولكنه نجح في إيجاد هوية تعددية خاصة به فريدة من نوعها، تقوم على أساس المساواة بين المسيحيين والمسلمين، تعترف بها الدول وتثني عليها. أدت اتفاقية سايكس بيكو، إلى حد ما، ومن خلال إنشاء دول قومية في الشرق الأوسط، إلى زرع بذور الدول العربية التي سمحت، في مرحلة لاحقة، بتأسيس جامعة الدول العربية. وقد أدخلت تغييرا استمر لمدة قرن، وهو الآن حقيقة واقعة".
وتابع: "عام 1916 عندما تعامل الحلفاء مع هويات معقدة في الشرق الأوسط، لم تكن السيادة محل بحث. أما اليوم، فتغيرت الديناميات وأصبحت شعوب المنطقة أكثر غيرة على سيادتها الوطنية. في موازاة ذلك، تعاظمت مشاعر الإحباط بين أولئك الذين تركتهم تفاهمات سايكس بيكو جانبا (خصوصا الأكراد)".
وختم باسيل: "إن التنوع هو مبرر وجودنا ومصدر إلهامنا، وهو يشمل القيم التي ورثناها والآمال التي ننشد تحقيقها، ولن نتخلى عن أيٍ منها".
من جهة اخرى، قال باسيل خلال أطلاقه مشروع مكننة وزارة الخارجية والمغتربين والربط الالكتروني مع البعثات في الخارج: "بداية، أود ان اشكر كل من ساهم في تحقيق هذا المشروع اي شركة "ب.ام.ب. و"سيسكو" اللتين تؤكدان الحاجة الى قطاع خاص ناشط وفاعل في البلد. واشكر المدراء العامين والديبلوماسيين والموظفين الذين عملوا على هذا المشروع في وزارة الخارجية ورؤساء البعثات والذين ستكون مرحلة التطبيق معهم لنتمكن من ربط الوزارة بكل البعثات في العالم، وكل من ساهم في هذا المشروع. اما انا فلم يكن لي مساهمة الا الموافقة والتوقيع عليه، وان سرت بعض الشائعات، الا ان المرء اذا توقف عند كل كلام يقال، يتوقف الفعل".
وأضاف: "بالنتيجة نحن امام مشروع نوعي، هذا المشروع ممكن اعتباره رائدا بين كل الوزارات ويطبق للمرة الاولى في لبنان، والاكيد انه جاء متأخرا بعدما خطط له من زمن بعيد. واليوم نستلحق حاجة للوزارة للاستعاضة عن خلل قائم بعملنا. والمشروع فيه ما يكفي من الربط للوزارة مع البعثات وما يكفي من الحماية لكونه قائما على نظام built in خاص بالوزارة، وهو يوفر ما يتطلب من الضمان السرية خلافا لما يحصل الان حيث نجد برقيات الى وزارة الخارجية منشورة في الصحف تسرب وبفخر من البعض او ينشروها على حساباتهم الخاصة. وما يجري هنا يفوق الفضيحة التي عرفت في الولايات المتحدة بأضعاف والامر ما يزال قائم ومكرر ومعروف".
وتابع: "أبرز نقاط القوة للمشروع تكمن في انه ينجز بسرعة كبيرة في التنفيذ وبكلفة متدنية، بعد المناقصة التي رست على الفائز بفارق كبير جدا في الكلفة من قبل شركة مشهود لها بجودتها وكفاءتها وبتطبيق المشروع بأعلى معايير الجودة المطلوبة. وهو يخرج لبنان من الروتين الاداري المعروف ويأخذنا الى علاقة جديدة بين الديبلوماسي والمعاملة في رحاب العالم الرقمي الذي يحقق التفلت من ضوابط المكان والزمان. وقد بدأ تطبيق هذا المشروع وبدأت تطبيقاته تظهر تباعا، كربط سفارة لبنان في الاردن الذي اكتمل على ان يتم خلال الشهر المقبل 17 سفارة بالادارة المركزية، على ان تنجز تطبيقاته في ايار المقبل، ويكتمل كليا في نهاية العام 2017".
وقال: "اما اهداف المشروع فعديدة، منها الربط بين الادارة المركزية والسفارات والبعثات في الخارج وربط البعثات ببعضها البعض. وتسهيل المعاملات الخاصة بالمغتربين والمنتشرين اللبنانيين وامكانية ولوجهم لمواقع الوزارة وكأنهم زاروا السفارة شخصيا. كما اصبح لنا موقع الكتروني موحد لوزارة الخارجية وكل البعثات سيصبح جاهزا نهاية هذا العام، اضافة الى عنوان رقمي موحد. كما ان ثمة ما بدأ من خارج اطار مشروع الربط، هو تعقب معاملات الاحوال الشخصية على موقع الوزارة. كما سيكون لدينا تطبيق مجاني للوزارة على الهواتف الذكية على أمل الوصول الى الحصول على تأشيرة دخول او فيزا الكترونية والاقتراع الالكتروني، وهذا يتطلب قرارا سياسيا نؤيده بالكامل، وواجبنا في وزارة الخارجية هو تجهيزه تقنيا لتسهيل القرار السياسي".
وختم: "باختصار، ان الفكرة الاساسية التي نعمل عليها، الى جانب تحديث الوزارة والوزارات والادارة في لبنان، والى جانب تسهيل امور المواطنين المقيمين والمنتشرين والخروج من الروتين الاداري المعروف، يبقى الامر الاساسي ان واجباتنا هي ان نقرب لبنان من منتشريه في العالم، كي يصبح لديهم امكانية الوصول من اماكن تواجدهم الى الخدمات في لبنان، بحيث يشعر المنتشر انه اصبح لديه الامكانية للولوج الى الوزارة الكترونيا في ضوء تعذر الوصول ماديا الى كل المنتشرين، رغم سعينا الى تأمين قناصل فخريين في كل مكان يوجد فيه لبنانيون، لكن عبر هذه الخدمة نصل اليهم ويصبحون بالتالي اقرب الى لبنان. وهذه ما هي الا مقدمة لمسيرة توصلنا لاستعادة حقوقهم، بما في ذلك ربط اللبنانيين ببعض وباستعادة الجنسية وحق التصويت كي يكونوا جزءا من لبنان والاهم ان يكونوا جزءا من الدولة. وبذلك يستعيد لبنان مواطنيه وهويته".