على ورق الشجر المغطى بالغبار الموبوء من دواخين ثمانية مصانع ضخمة، يلهو أطفال شكا بكتابة اسم بلدتهم ليعودوا الى منازلهم"سود من الشحتار"، لكنهم والأهالي اعتادوا التعايش مع الواقع البيئي المزري إلى حد التهكم المبكي "إنه كحل العيون". فما هو واقع هذه البلدة الشمالية الساحلية التي دخلت على خط التهجير البيئي؟
تتطاير ذرات ثاني أوكسيد الكبريت والأزوت والغاز الفحمي والغبار في هواء مناطق شكا وكفريا وكفرحزير وفيع وأنفه، وصولاً إلى غابة الأرز التي أصيبت بمرض، يقدر الخبير البيئي بيار أبي شاهين، أنه ناتج عن دواخين المعامل، وهو ما أكدوه خبراء فرنسيون عاينوا شجرات الأرز في تقرير سابق.
التلوث البيئي ناتج عن فلتان تمارسه شركات الترابة، وعن التفلت من تطبيق المعايير الدولية، ولا حسيب أو رقيب. يحمل أبي شاهين هذا الملف الدسم كونه رئيس هيئة البيئة في شكا، ويمثل الأهالي في اللجنة السداسية الرسمية المكلفة مكافحة التلوث الصناعي، وهو "الشاهد الملك" الذي تعرض للترهيب والترغيب، ومثل أمام المباحث الجنائية بتهمة توجيه كتب تهديد الى الشركات في إطار الدعوى القائمة بين الجانبين.
يدفع الشكاويون من صحتهم كلفة المماطلة متوقعين الانتظار لسنوات قبل أن يقول القضاء كلمته الفصل، لكن الانقسام بين الأهالي يزيد "طين التلوث بلة". فالشركات مصدر عمل ومجال توظيف لأكثر من 700 عائلة يعمل ابناؤها فيها، والسياسة المتبعة من قبل هذه الشركات تتلخص بدفع اشتراكات المولدات الكهربائية والمنح المدرسية وتوزيع أدوية الغسيل والشفاطات والمكانس على الأهالي لنزع آثار الغبار. لكن ماذا عن الأعراض المرضية بين السكان؟
تسجل نسبة المصابين بسلطان الرئة ارتفاعاً ملحوظاً، إضافة الى أعراض الحساسية المفرطة، وبين حين وآخر تسجل أيضاً حالات إغماء وغثيان يتسبب بها حرق الأدوية منتهية الصلاحية، مما دفع بهيئة حماية البيئة الى رفع شكوى الى وزارة البيئة لإجراء تحقيق في الموضوع، لكن المفارقة أن الوزارة هي التي منحت شركة هولسيم- لبنان (شركة الترابة اللبنانية سابقاً) الموافقة على إجراء اختبار تجريبي لمعالجة أطنان من الأدوية منتهية الصلاحية في أفران معملها؟
يبقى السؤال المطروح: هل تم استثناء الأدوية التي تحتوي المادتين المسرطنتين في خلال عملية المعالجة، علماً أن كمية الأدوية منتهية الصلاحية، بحسب وزارة الصحة، تقدر بحوالي 150 طناً سنوياً. أسئلة كثيرة تطرح حول الواقع البيئي في شكا والجواب حتماً لدى المسؤولين و"الشكاويون لا حول لهم ولا معين."
("لبنان 24")