كلاهما متمسكان بحقّهما في أن يكونا كاهنين إلى الأبد، وأن يخدما بأمانة وأن يعطيا مجانًا من دون مقابل مادّي (مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا)، وأن يبشرا بكلمة الملكوت إلتزامًا بما تعهدا به أمام الله والناس، وأن يكونا أداة طيعة بين يدي من دعاهما ليكونا من بين تلاميذه.
المونسنيور منصور لبكي، وهو الذي على أنغامه لا نزال نردّد تسابيح الصبح واناشيد المساء، ممجدين من منحنا نسمة الحياة، شاكرين وحامدين ومسبحين بإسمه، وممجدين لعظمته اللامتناهية، لا يزال يخضع لتجاذبات أصحاب السطوة، وهو المتيقن من أن من حاك له مؤامرة الإبعاد هم كثرٌ، تجمعهم غايات غير غاياته، فألصقت به تهمٌ هو براء منها، ولا يزال يصّر على أن يُمنح فرصة الدفاع عن نفسه في جلسة علنية بإشراف مباشر من قداسة البابا شخصيًا، لأنه لم يعد يثق إلاّ بمن يعتبره نصير المظلومين وحامل مفاتيح "صخرة الإيمان.
ولأنه لم يهادن، ولم يخضع للإبتزاز، ولأنه كان يرى الأعور أعورًا بعينه، ولأنه لم يقبل مساوماتهم، ولأنه أمينٌ على القليل، ولأنه رفض المتاجرة بإسم الدين، وقد شكّل بجرأته خطرًا عليهم، دُبرّت له المكائد وأُلصقت به التهم الباطلة.
أما أبونا طوني (ربيع) الخولي، الذي ترك المجد الباطل وقرر أن يلبي نداء الرب "أترك كل شيء واتبعني"، فترهب في رهبنة القديسين، وكان طوال إقامته في دير كفيفان مع أخوته المبتدئين مثالًا في التقوى والتواضع والخدمة، لينتقل بعدما خبر الحياة الرهبانية إلى دير سيدة طاميش يدرس اللاهوت فتأهل ليكون كاهنًا على مذبح الرب، وأختير ليكون في مدرسة المركزية في جونيه معلمًا ومرشدًا لاجيال متعطشة إلى سماع كلمة الرب وهديها على الطريق المستقيم.
ولأن أهدافه، التي ترك من أجلها العالم وما فيه من مجد باطل، لم تتلاقَ مع أهداف الآخرين، حيكت ضده تلفيقات لا تمتّ بطبيعتها إلى ما عُرف عنه من تعفف وتجردّ، وهو الذي كانت مفتوحة أمامه كل ما لم يكن متوافرًا لغيره، فلجأ إلى الصلاة سبيلًا وحيدًا، ليخرج عن صمته ويقول أنه باقٍ كاهنًا كملك صادق، وأن بطرق مختلفة عمّا كان عليه قبل أن يُزّج بإسمه في ما ليس له علاقة به لا من قريب ولا من بعيد، على أمل أن تتكشف الحقائق ويفرز الخيط الأبيض عن ذاك الأسود.