اختتم معهد المواطنة وإدارة التنوّع في مؤسّسة "أديان" بالتعاون مع الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة وبدعم من الكنيسة السويديّة ومؤسّسة "ميسيو"، مؤتمرًا دوليًّا حول "الحرّيّة الدينيّة في زمن إعادة تكوين المواطنة" الذي تم انعقاده بمشاركة دوليّة من سياسييّن وخبراء وصنّاع سياسات من لبنان والعالم العربي وأوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة وباكستان، وذلك يوم الجمعة 2 كانون الأوّل 2016 في حرم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة في بيروت.
جاء هذا المؤتمر في سياق عمل معهد المواطنة وإدارة التنوّع على تعزيز ثقافة حرية الدين والمعتقد والمساهمة في وضع السياسات العامة المرتبطة بالحريّة الدينيّة في إطار المواطنة الحاضنة للتنوّع، وذلك بهدف: أولاً، معالجة مسألة حرّيّة الدين والمعتقد على المستويات الفلسفيّة والسياسيّة والقانونيّة والثقافيّة والدينيّة، وثانيًا: تعزيز التعاون على صعيد صناعة السياسات المتعلقّة بهذا المجال في المجتمعات العربيّة والغربية، وثالثًا: الإسهام في عمليّة التفكّر الرامية إلى تطوير إطار للمواطنة الحاضنة للتنوّع الثقافيّ والدينيّ كما إدارة هذا التنوّع بأشكاله المختلفة، ورابعًا: تطوير الخطابات العلميّة التي من شأنها التوعية على الحرّيّة الدينيّة والمساعدة على نشر ثقافة عامة قوامها حرّيّة الدين والمعتقد.
وفي الحصاد الأوليّ للاشكاليات والتحديات والأفكار الأساسيّة التي دارت حولها جلسات المؤتمر، على الصعيد السياسي والقانوي، طُرحت مشكلة الازدواجية في العدد من الدساتير بين مرجعية دينية للدستور مرجعية حقوق الإنسان لنفس هذه الدساتير، وكذلك مشكلة الهوة بين الدستور والتطبيق للقوانين، كما طُرحت اشكالية العلاقة بين الأنظمة الاستبدادية والحركات الدينية السياسية، فتبين من أمثلة عدّة بلدان أن الانظمة الاستبدادية لا تحمي الأقليات بقدر ما تولد التطرف. وتم عرض خبرات دول عديدة في هذا المجال كمصر والعراق ولبنان ومالي وباكستان حيث إشكالية العنف والتهديد للمصلحين في حال إقدامهم على طرح مشاريع تغير قوانين تهدف إلى الخير العام لا الهوية الجماعوية. وتناول المجتمعون قضية الشرخ بين العلمانيين والدينيين كالحال في تونس وباكستان وضرورة إرساء الحوار والتواصل بين الفئتين بهدف التقليص من مخاطر الوضع الراهن. أما على الصعيد الديني فركّز المشاركون على الحاجة إلى لاهوت الأمل بدل لاهوت العنف والكراهية، وعلى ضرورة العمل على تعزيز لاهوت التنوّع واللاهوت السياسي وتطويرهما، واعتبار الأولوية لكرامة الإنسان وقداسة الحياة الإنسانية، كما وإدراج الحريّة ضمن مقاصد الشريعة.
وعلى الصعيد الثقافي والتربوي والإعلامي، أشار المجتمعون إلى ضرورة مقاربة مواضيع التنوع والأديان في المجال العام بهدف كسر التابوهات بالإضافة إلى التخفيف من ازدواجية الخطاب وإرساء التفكير النقدي وقبول التنوع من خلال التربية ومن خلال الإعلام لاسيما الإعلام البديل. وفي السياق نفسه شددوا على ضرورة التمسّك بالمبادئ المهنية في تغطية القضايا المتعلقة بحرية الدين والمعتقد كالتي نصت عليها "مدونة قواعد السلوك الصحفي المتعلقة بالتغطيات الإعلامية لقضايا حرية المعتقد والدين" التي جاءت خلاصة لورشة تدريب موسعة نظمتها مؤسسة "أديان" في شهر تشرين الأول من العام الحالي بمشاركة صحافيين من العراق والأردن ولبنان وبالشراكة مع شركة تويتر. كما أثيرت ضرورة نشر الوثائق والفتاوى الصادرة عن المرجعيات الدينية كالنجف والأزهر والتي تصب في موضوع الحرية الدينية والمواطنة، في الثقافة العامة. من ناحية أخرى، قدمت خبرات في استخدام عالم الأعمال لنشر التنوع الديني والحرية الدينية كمحفز للاقتصاد.
أما على الصعيد الفلسفي لا سيما الفلسفة السياسية، طرحت إشكاليّة الهويّة الوطنية - دينية كانت أم ثقافيّة -وتأثيرها على مكونات المجتمع المختلفة، كما طرحت مشكلة فراغ المعنى على الصعيد الحضاري عالميّا، وإشكالية تعددية التفسيرات للخير العام بحسب المواقف والمصالح خاصة في المحافل السياسية، كما طرحت مشكلة إهمال الحقائق في الثقافة العامة بشكل غير مسبوق تاريخيا لحساب المواقف والتجاذبات السياسية،
جاء هذا الحصاد بعد يومين من جلسات نقاش دارت حول سبعة محاور: المواطنة وثقافة الدولة والحريّة الدينيّة، والتأثير المحلي للصكوك الدوليّة لحقوق الإنسان، وحريّة النعبير والحريّة الدينيّة ومسألة قانون إزدراء الأديان، والتحديات اللاهوتيّة للحريّة الدينيّة، والدين وإدارة التنوّع الديني في المجال العام، والحريّة الدينيّة والتربية، وأخيرًا الحريّة الدينيّة والإعلام.
حفل الافتتاح
يذكر أنّه تم افتتاح المؤتمر بجلسة عامة يوم الخميس الواقع في 1 كانون الأوّل 2016 حيث ألقى كلمة الافتتاح وكيل الشؤون الأكاديميّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، الدكتور جورج خليل نجار عبّر فيها عن افتخار الجامعة لاستضافتها المؤتمر لمعالجة إشكاليات الحرية الدينية في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة حاليًّا ومشددًا على ضرورة التركيز على التوعية التي من شأنها "تقريب المسافات والحياة اليومية بين الأشخاص".
ثم تحدثت مستشارة السياسات في كنيسة السويد، القسيسة جيني نوردين التي لفتت إلى أن "العالم يرزح تحت ثقل الحراكات الشعبوية والانقسامات، وبالتالي نحن بحاجة لمساحات كهذه لأنها تُبقي الأمل حياً" وذكّرت بأن "السويد إحدى الدول الأكثر علمانية في العالم، ولكنها تحوي تنوعاً وتعددية، وتواجه تحديات على مستوى العلاقة بين المساحة العامة والمساحة الخاصة". مضيفة: "بدأنا نواجه تحديات الكراهية ضد المهاجرين، وخصوصاً المسلمين، وتنامي مظاهر التشدد القومي، وبالتالي نحن بحاجة للتعاون لمواجهة خطاب الكراهية.
أمّا رئيس قسم العلاقات الخارجية في مؤسسة "ميسيو"، الدكتور ماتياس فوغت اعتبر أنّ الوضع الراهن والدقيق وما تعانيه كل من سوريا والعراق ونيجيريا وليبيا واليمن يؤثّر على الوضع في أوروبا وخاصة في ما يتعلّق بمسألة الحريّات، مشيراً في هذا الاطار إلى ألمانيا التي استقبلت أعدادا هائلة من اللاجئين.
وكانت كلمة خاصة لضيف الشرف أمين عام اللجنة الوطنيّة الإسلاميّة المسيحيّة للحوار في لبنان والرئيس المشارك للهيئة العالميّة للأديان من أجل السلام، الدكتور محمّد السمّاك وصفها ب "وجهة نظر إسلاميّة" شدّد فيها على أن الحريّة هي أهم مظاهر الكرامة الإنسانية، وتابع:
ولأنه لا يمكن التعبير عن الاختلاف إلا بالحرية فإن تعطيلها يعدّ انتهاكاً لإرادة الله وفطرة الانسان"، مضيفاً: "ليس لأي انسان أو سلطة حق النظر في ضمير الآخر والحكم على ما في نفسه لأن في ذلك تطاولاً على الذات الالهية وإرادة الله”. واعتبر السمّاك أنّه "لا حريّة لمواطن ونصف حريّة لمواطن آخر، ولا حق لمواطن وتسامح لمواطن آخر، فالمواطنة هي المساواة دون تمييز".
وفي ختام الحفل تمّ تكريم الدكتور السمّاك ومنحه عضوية شرف في مؤسّسة أديان تقديرًا لجهوده في نشر خطاب دينيّ إسلاميّ يتّسم بالانفتاح وتعزيز التنوّع والاعتراف بالأديان الأخرى والحثّ على احترام حرّيّة الدين والمعتقد.
المشاركة الدولية
ومن الجدير بالذكر أن 34 باحثًا وصانع سياسات من 14 دولة شارك في المؤتمر وهم: السفير جان-كرسيتوف بوسيل: مستشار للأمور الدينية في وزارة الخارجية والتنمية الدولية (فرنسا)، د. سمير مرقص، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان (مصر)، د. طارق شعبان، نائب رئيس مرصد الأزهر الشريف (مصر)، أ.د. ناديا أبو غازي، مديرة مركز البحوث والدراسات السياسيّة وحوار الثقافات – جامعة القاهرة (مصر)، د. وفاء الشربيني، كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة (مصر)، أ.د. آمال قرامي، أستاذة التفكير الإسلامي ودراسات الجندر في جامعة المنّوبة (تونس)، أ. د. عبد الجبار الرفاعي، مدير مركز دراسات فلسفة الدين (العراق)، السيد جواد الخوئي، أستاذ في الحوزة العلمية النجف الأشرف (العراق)، الأستاذ صائب خدر نايف، حقوقي وباحث مختص في قضايا الأقليات الدينيّة في العراق (العراق)، أ.د. عامر الحافي، أستاذ العلوم الإسلاميّة والأديان والمقارنة في جامعة آل البيت (الأردن)، السيدة ريم خليفة، صحافيّة بحرينيّة مستقلّة، عضو فريق التحرير المؤسّس لصحيفة الوسط (البحرين)، الأستاذ سلمان رجا، محامي في المحكمة العليا في باكستان (باكستان)، السيدة مسرّات قديم، خبيرة في شؤون مواجهة التطرّف ووزيرة سابقة للتربية وللإعلام (باكستان)، الأب أدريان ساوادوغو، مدير معهد التدريب الإسلامي-المسيحي (بوركينا فاسو- مالي)، السيد نفيد بيغ، نائب رئيس مركز الدراسات الإسلامي المسيحي (الدانمارك)، السيدة إيزابيل روك، خبيرة مستشارة لدى مرصد "فاروس"للتنوع الثقافي والديني (فرنسا)، أ.د. غوين غريفيث- ديكسون، مديرة مؤسّسة لوكاهي (المملكة المتحدة)، د. براين غريم، رئيس مؤسّسة الحريّة الدينيّة والأعمال (الولايات المتحدة الأميركيّة)، ومن لبنان: النائب غسان مخيبر، د. جوزيف معلوف، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية ، أ.د. سامي بارودي، أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة ، د. أحمد الزعبي، مدير تحرير لبنان 24 وأستاذ العلوم السياسيّة والإسلاميّة، أ. د. فادي ضو، رئيس مؤسّسة أديان (لبنان). بالإضافة إلى فريق إعداد مدوّنة قواعد السلوك الصحفي المتعلّقة بالتغطيّات الإعلاميّة لقضايا حريّة المعتقد والدين: السيد محمد العرب (أ.ر.ت - إذاعة الفجر- لبنان)، السيّدة ساندي الحباشنة (التلفزيون الأردني- الأردن)- السيد محمد المؤمن (قناة الغدير الفضائيّة- العراق).
وأدار الجلسات القاضي عباس الحلبي – رئيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، د. لينا كريدية – أستاذة العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة، د. تاميراس فاخوري -أستاذة العلوم السياسيّة والشؤون الدوليّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، د. نايلا طبارة- مديرة معهد المواطنة وإدارة التنوّع- مؤسّسة أديان، د. مروان رويهب- رئيس قسم العلوم الإجتماعية - الجامعة اللبنانيّة الأميركية، القسّيسة جيني نوردين - مستشارة السياسات في كنيسة السويد والإعلامية والمدربة على التواصل اللاعنفي تانيا عوض غرة.