شارك وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال روني عريجي في المؤتمر الذي نظمته مفوضية الثقافة في "الحزب التقدمي الإشتراكي" لمناسبة اليوم العالمي للغة العربية بعنوان: "اللغة العربية وتحديات العصر"، وألقى كلمة قال فيها: "في اليوم العالمي للغة العربية، نتساءل باهتمام وبعض قلق عن أحوال لغتنا الجميلة والتحديات التي تواجه".
أضاف: "من البداهة الاعتراف، أن اللغة العربية ليست في أفضل مراحلها والتألق الذي عرفته في الماضي، فالأزمنة تغيرت كما تضاعفت عوائق نموها. إذا انطلقنا من مسلمة، أن اللغة كائن حي يتحتم السؤال عن توفر أسباب الحيوية أو إنعدامها".
وتابع: "يعيش العالم زمن العولمة بأنماطها واملاءاتها، وبينها اللغة احدى ضحايا هذه النعمة والنقمة معا. العولمة التي نعيشها ليست حالا مستجدة. فلغة التخاطب والتفاهم بين الشعوب بدأت مع بدايات العولمة قبل خمسة قرون، مع مغامرة الشراع واكتشاف البوصلة، والأرض الجديدة وكريستوف كولومبوس وصولا إلى الثورة الصناعية فالأقمار الصناعية".
وأوضح أنه "في أحد تقارير "الاونيسكو" حول حيوية اللغات وتعرضها للاندثار، اشارت إلى أن 2500 لغة في العالم قد انقرضت - أو على الطريق - من اصل ستة الاف لغة ولهجة يتحدث بها البشر، وأن اندثار اللغة مرتبط بمدى عدم استعمالها كتابة ونطقا، أو بسبب ظروف خارجية كالاستعمار والاحتلال أو إبادة السكان الأصليين في بلد ما".
وأشار عريجي الى أن "عولمة الاقتصاد والتواصل تفرض على سكان الأرض سلطان اللغة الإنكليزية. من عبر دروس التاريخ حتى اليوم، كل حضارة متفوقة تفرض لغتها، وفي المجالات كافة. كلمات نيل ارمسترونغ في العام 1969 من على سطح القمر، متوجها إلى سائر البشر، لم تكن بالعربية أو الفرنسية. خاطب سكان الأرض-ومن فوق - باللغة الإنكليزية".
وقال: "اذا كنا نخشى على لغتنا، فلأن مجتمعاتنا العربية ليست رائدة ولا منتجة وليست متفوقة. نحن غارقون في التلقي ومكتفون بالدور الاستهلاكي. أجيالنا الجديدة تعيش وتمارس وتتلقى لغة غريبة - بالمبدأ - عن بيئاتها وحضاراتها، وتتماهى في صلب اللغة المهيمنة بفعل التواصل الاجتماعي، وما ينتج عنه من تغريب بحكم الحتمية، مصطلحات وتعابير وملبسا ومأكلا وبرامج تربوية ومن على شاشات التلفزة والسينما وسواها وسلوكا اجتماعيا. هذه الحقائق لا تعفينا من مسؤولياتنا المباشرة في تدمير اللغة العربية. فإعلامنا يلعب دورا سلبيا في هذا المجال بتغييبه البرامج الثقافية، واعتماد مقدمي البرامج لغة هجينة، تختلط فيها اللغات العربية - الفرنسية - الإنكليزية وسواها، ما يخلق ازدواجيات خطيرة في لغة التخاطب. إضافة إلى ذلك، ضعف أداء البرامج المدرسية وغياب الاختصاصات الجامعية باللغة العربية، وسبات المجامع اللغوية العربية والمؤسسات الفكرية في العالم العربي".
أضاف: "اذا كانت حتمية التاريخ علمتنا أن حضارة تتفوق تفرض لغتها وسلوكها، فهمنا كيف ماتت اللغات السامية والكنعانية والفينيقية، وكيف تفرغ من اللاتينية التي اندثرت، لغات أوروبية، فرنسية وإسبانية وإيطالية وسواها. واذا كانت الإنكليزية عولمت الشعوب قرنا من الزمن، ربما غدا يأتي دور اللغة الصينية".
وأكد عريجي أن "خوفنا على لغتنا مبرر ولا يكفي التذمر والقلق، فبعض أسبابه خارج عن إرادتنا، أما الأسباب الداخلية فلن يعفينا التاريخ من مسؤولياتنا والأخطاء في ضياع هويتنا واللغة".
وختم موجهاً تحية تقدير للنائب جنبلاط، راعي المؤتمر، "الذي عودنا التطلع إلى القضايا الفكرية والى دعمه المشاريع والمبادرات الفنية والثقافية. كل الشكر لمفوضية الثقافة في "الحزب التقدمي الاشتراكي" لهذا المجهود".
من جهته ألقى النائب غازي العريضي كلمة النائب وليد جنبلاط، التي قال فيها: "يشرفني ان اكون بينكم ممثلا لوليد جنبلاط في اللقاء المهم في هذه المرحلة، واشكركم انتم النخبة من علماء وفقهاء اللغة العربية والمهتمين بها والمتابعين. واسمحوا لي ان اشكر مفوضية الثقافة في الحزب على مبادرتها بالدعوة لهذا اللقاء في اليوم العالمي للغة الذي اطلقته اليونيسكو بالرغم من كل المراحل الصعبة التي تمر بها المنطقة".
واضاف: "ان مفوضية الثقافة دخلت هذه المهمة الصعبة لتتحدث عن حماية اللغة في عالم صورته مهزوزة بسبب تراكمات ما يجري لعقود من الزمن، لكن هذه المفوضية هي جزء من هذا الحزب الذي هو حزب العروبة والعربية. لغتنا لغة التواصل، والمفوضية حددت محاور مهمة لمناقشتها وأتمنى ان نصل الى اقتراحات وخطط عمل تعمم على الجامعات والمدارس ولا سيما انه سيكون هناك لقاء في الشوف الاحد مقبل".
وختم: "إن اللغة والهوية، محور الانتماء والتواصل، والمهمة الصعبة هي في ان نحمي اللغة. امامنا تحديات كبيرة، ليس فقط الحزب التقدمي الاشتراكي، بل جميعنا"، داعياً إلى "التكاتف والدعوة الى مثل هذا المؤتمر والدفاع عن قيمنا. فاللغة العربية لغة العقل والحكمة والمعرفة والتسامح والاخلاق وليست لغة استعباد أو ظلامية نظامات، هي لغة المثقفين والرسالات السماوية التي انطلقت من هذه المنطقة".