تحتار ريم (إسم مستعار) بأمرها وتطقطق بأصابعها وتمشي داخل الغرفة ذهابا وايابا بتوتر، ثم تمد يدها الى جيبها لتتناول ولاعتها لتشعل سيجارتها، ثم تتمتم بصوت خافت فتناجي ربها طالبة مساعدته، وتقول: ماذا عساي افعل؟ ترى ما هو الحل؟ ثم تعود لتجلس على كرسي مكانها وهي ترتجف محتارة والخوف يسيطر على ملامحها وتستعجل بأمر الموظفة لتقول لها:" هلا بيجي زوجي، خليني امشي عبكير".
تتردد ريم بين الحين والآخر الى احدى العيادات المتخصصة في المعالجة النفسية التابعة لاحدى الجمعيات غير الحكومية فتخبر قصتها لكن الخوف يعتريها لحظة دخولها باب الجمعية من ان يعرف زوجها فيقضي عليها.
ريم أم لثلاثة اولاد، اكبرهم يبلغ 16 عاما (سامر) وأصغرهم 4 سنوات ( زياد)، اما الثالث وعمره 8 سنوات (غدي) فهو " فشة الخلق" بحسب تعبيرها.
تروي ريم قصة نزوحهم من سوريا الى لبنان، وكيف ان الزوج قام باستئجار منزل لهم في بلدة مجاورة لعنجر، وكيف حرم سامر وغدي من حقهم في التعليم، فمنعهم من دخول المدرسة، ثم دبّر لهم عملا في ورش البناء في المنطقة، وعوض ان يحمل غدي حقيبته المدرسية على ظهره، استبدلها بتنكات من الباطون ينقلها يوميا على كتفه ليصعد بها الى الطابق الرابع في ورشة بناء قيد الانشاء في المصنع، وما يجنيه سامر وغدي من بدل ايجار عملهم يحصده الوالد.
الوالد تزوج من امرأة ثانية واستأجر منزلا آخر بالقرب من بيته الاول، وهو يتردد يوميا الى المنزل في الصباح الباكر ليوقظ سامر وغدي بالضرب والتعنيف لحثهما للذهاب الى العمل، اما ريم فلها نصيبها ايضا من الذل والانتقام، فهو الحاكم الظالم والمستبد بحسب رأيها، كيف لا وهو يتحكم بالشاردة والواردة، فيستلم الحصص الغذائية ويأخذ تعب اولادها، فلا يصلها الا اليسر اليسير من أي مساعدات كونه هو رب المنزل.
ريم وفي ظل هذه الحالة من التعنيف والضغط النفسي تعاني من انهيار في الاعصاب، وتسيطر عليها حالة اكتئاب تدفعها للتفكير بالانتحار في كثير من الاحيان.
قصة ريم هي نموذج عن حالات التعنيف المتفشية خلف الجدران، وبحسب المشرفين على مراكز العلاج فإن الكثيرين يترددون في الابلاغ عن حالات التعنيف في شتى انواعه خوفا من معرفة المعنِف فتحل الكارثة.
لكن ترى من هو المسؤول عن ترميم ما ينقشه الكبار في حياة الصغار، ومن يتكفل بهدم ما تصنع ايدي الكبار في نفوس الصغار، ومن يستطيع ان يصدق ان في الحياة الواقعية قصصا لاناس ظلموا وحرموا حتى من ابسط حقوقهم في الحب والحنان والامان؟
من هنا، دعوة الى المجتمع عموما وللاطفال المعنفين خصوصا بأن يتخطوا حاجز الخوف وان يتشاركوا سرهم مع الاشخاص المؤهلين والمناسبين لمعالجة مثل هذه الحالات والابلاغ فورا عن اي حالة تعنيف. فبالتبليغ نكون قد وفرنا فرصة لحياة افضل.
(خاص "لبنان 24")