تتصاعد رائحة البخور من باب المتجر الأنيق. يخال للمار أنه أمام مكان لاستحضار الأرواح. يافطته التي تحمل اسم "perle noire" أي "اللؤلؤة السوداء" مزدانة بصورة لؤلؤة تشبه الكرة التي يستخدمها المشعوذون. تجلس خلف المكتب فيه سيّدة أربعينية، محت ملامحها الأصلية تدخلات أطباء وخبيرات التجميل التي أتت على الشفاه والحاجبين والخدّين بشكل أساسي وغيرها من أنحاء الجسم. "أهلاً وسهلاً" تقول لكل من يدخل متجرها، راسمة ابتسامة لا تتبدل منذ أن تعبر الزبونة "غيمة" البخور، إلى حين خروجها، حتى ولو لم تكن محمّلة بالأكياس.
تسترسل صاحبة المتجر واسمها نورما في الشرح عن كل قطعة ملابس تلمسها الزبونة. "هذه أجمل قطعة في المتجر" و "هذا كتير cute (حميل) لشخص في مثل سنّك" و"صحيح أنه simple (بسيط) ولكن القماشة بتحكي حكي" و"ذاك قميص كلاسيك لا تموت موضته"...، لتختم بالثناء على الذوق الرفيع لزائرتها.
وتصرّ نورما على مرافقة الزبائن خطوة خطوة بكعبها العالي الذي يرفعها نحو 15 سنتيمتراً عن الأرض، والذي تعتبره تفصيلاً مهماً وأداة أساسية لرسم هوية المتجر. "من دون مؤاخذة" تقول، "البائعة هي دائماً صورة المتجر. فارتداء البائعة حذاء عادياً من دون كعب يشير إلى المستوى المتدني لبضاعة المتجر".
لم يكن صعباً التحدث مع نورما عن متجرها وعملها فيه، فهي من النوع الذي "اللي بقلبه على راس لسانه". وهي إن كانت تتمسّك بفلسفتها في طريقة البيع وإصرارها على الديكور الصارخ الذي تضيع فيه الفساتين والقمصان في بعض الأحيان، والذي قد يكون منفّراً لعدد من الزبائن، تدرك جيّداً المشكلات التي تحيط بعملها والأسباب الكامنة وراءها. وتعلن أنها ما زالت تحاول معرفة من أين تؤكل كتف الزبون، كي تستمر بمشروعها الذي اعتبرته ذات يوم مشروع عمرها.
في الواقع تلعن السيّدة ذاك اليوم. تروي أنه في أواخر العام 2007، صرفت إحدى الشركات الأجنبية العاملة في لبنان زوجها المحاسب وعدداً من زملائه. فراح يعمل "على حسابه" محاولاً تأسيس مكتب محاسبة من دون أن ينجح. كانت هي في ذاك الوقت تعمل في إحدى شركات الاستيراد براتب متوسّط. لم يكن يكفي متطلبات العائلة التي تضمّ ثلاثة أولاد، إبنتان وإبن كان قد بدأ مرحلته الثانوية. فقرّرت منتصف العام 2008، إنشاء مؤسسة لبيع الثياب معتمدة بذلك على شغفها بالموضة وخبرة إحدى صديقاتها.
"نار" وتراجع
تصف نورما بداية عملها بـ"النار" في أول موسمين، "فالمتجر جديد وديكوره صارخ، والأهم يقدّم قطعاً غير موجودة في أي من المتاجر الأخرى ويمكن أن تنافس من حيث القماش والتصميم والأسعار، سلاسل المتاجر الشهيرة". وقدّ سدّت القسم الأكبر من ديون التأسيس ووظّفت فتاة "حسنة المظهر" وتتقن أكثر من لغة كبائعة بمرتّب 600 دولار.
بدأ العمل بالتراجع، فالأوضاع الاقتصادية في البلد تراجعت عموماً وقابلتها زيادة مصروف العائلة التي باتت تضم شابا وصبيتين، كلفة إلباسهم وتعليمهم بحدّها الأدنى باهظة. وتحوّل المتجر من باب رزق إلى عبء شهري، مادي ومعنوي.
تشير نورما الى أنه بعد سنة على التأسيس صرفت الموظفة. يومها كان ربحها يناهز 3 آلاف دولار. لكنّه فعلياً لم يكن يكفي بدل إيجار المتجر وفواتير الكهرباء فيه بالإضافة إلى مصروف العائلة.
المضحك أن صاحبة المتجر لم يكن لها فلسفتها في البيع قبل ذاك الوقت. تقول إنها كانت تبيع بشعر "منكوش"، وما تحوّلها إلى المرأة التي هي عليه اليوم الّا محاولة لجذب الزبائن، "لربما شكّل مظهري وطريقة بيعي إضافة لا يجدها الزبون في متاجر أخرى".
حين تتذكر نورما واقع الحال تختفي البسمة عن وجهها، وتتحدث عن أرقام تتصارع في رأسها "ثمن العلم وثمن الأكل والشرب ومصروف المتجر، والإضافات التي لا يمكن أن ينجو منها أي شهر من السنة". وهي يائسة من وضع "معقّد" لأن أسباب تردّيه كثيرة ومسببيه أكثر.
هي تلقي اللوم أولاً على الدول العظمى التي لا تجد حلاً للأزمة السورية، "حتى انسحبت الحرب على الجيران خوفاً على المصير والوجود والكيان في لبنان. وبات معها التفكير باقتناء الملابس من آخر الهموم لدى اللبناني. علماً أنه بقي مصرّاً على أناقته أيام الحرب اللبنانية".
وتلوم ثانياً السياسيين اللبنانيين في الحكومة والمجلس النيابي "الذين لا يحمون التاجر اللبناني ويتركونه عرضة لحيتان تنهش لقمته". تذكر على سبيل المثال وجوب سنّ قانون "يفرض ضرائب على سلاسل المتاجر التي تملأ مجمعات لبنان التجارية. لم تكن تلك المتاجر قبل هاتين السنتين تقدّم تنزيلات على بضاعتها الا في آخر المواسم وعلى قطع معيّنة. أما اليوم نشعر أنها بشهر تسوّق مستمر. علماً أن أسعارها تفوق كلفتها بأضعاف. وهي اذا ما لحقتها الخسارة في فرع أو في بلد عوّضت عنها من خلال فروع وبلدان أخرى". في المقابل تؤكد أن أصحاب الضمير من التجار "لا يمكن أن يرفعوا أسعارهم كثيراً، وبالتالي لا يمكن أن يخفضوا ثمن أي قطعة أكثر من ثلاثين في المئة لا سيما في المناطق التي تعتبر شعبية".
إلى هذا، لا تسلم تركيا من لوم نورما وتوصي زملاءها التجار بالتنبّه من مكائد التجار الأتراك. تروي أنها قبيل افتتاح متجرها قصدت تركيا لتختار مجموعتها الأولى "ففرشوا لي الأرض بالورود وكان وعد ببيعي مجموعات خاصة وحصرية. وهكذا كان في الموسمين الأولين. ولكن بعدها، بدأوا يقنعونني بأن أختار القطع عبر موقعهم على الانترنت. ورأيت النصيحة مناسبة على أساس توفير ثمن تذكرة السفر والإقامة في تركيا. الا أني وقعت في الفخّ إذ أرسلوا لي مجموعة جميلة في الشكل ولكن رديئة من ناحية القماش والخياطة".
لا تملك نورما في الحرب التي تشنها الدول الغربية والاقليمية عليها سوى سلاحين: الصلاة والمثابرة لجذب الزبائن. من هنا كان البخور لله والكعب العالي لعباده.
(السفير – مادونا سمعان)