غصن "السرو" الذي يحمل جوزه، يُثقَل بطابات حمراء وذهبية بسيطة. "الغيرلاند" كانت موضة، لكنها ما أزاحت العصافير المزخرفة والنجوم. إلى ماذا كانت تلك الطيور ترمز حقاً؟ ما زلنا نبحث عن الإجابة رغم اختفائها المفاجئ من زينة الميلاد. أكواز صنوبر تلتفّ حول المغارة. والمغارة كانت دفئاً. نوراً يشعّ بخجل من تحت الأوراق البنيّة المرقطة بدوائر ترابية الألوان. تلك الرائحة في المنازل كانت سحراً: "سرو"، قرفة، ترابٌ مبلل بالمطر و"هريسة" تغلي على نار الموقدة الهادئة منذ الفجر.
"جينغل بيلز" على لسان "سانتا" الذي يأتي على غفلة، فيُسارع الأطفال لاستقباله، والخدان حمراوان. لم يكن يُسمح لهذا الرجل الأحمر بالمغادرة قبل أن يأخذ "الملبّس" والشوكولا. الهدايا جميلة، على بساطتها. كنزة من الصوف ووشاح لأيام الثلج. ما كان بالإمكان أن يمرّ العيد من دون ترتيلة الأب منصور لبكي، "قلبي مهيّا مغارة"...
لم يعد للعيد في أيامنا هذه، رائحة كتلك الساحرة. والرائحة في بعدها المجازي، براءة وبساطة و"ربي عملي زيارة، من شمسك نوّرني ومليني حرارة". والرائحة هذه قناعة، ومحبة وسعادة غير "مهدرجة" أو سريعة الإعداد والاستهلاك! وهي مساعدة الفقراء والمحتاجين والمرضى والعجزة من دون ظهور على الشاشات وتأثيرات موسيقية وبصرية. وهي "عجقة عيد" من دون زحمة سير وشتائم وعصبية. وهي مائدة تجمع العائلة وليست وليمة وماديّات. هي صلاة ورجاء ومغارة في القلب...
اليوم، ثمة من يعتصر قلبه حزناً على أطفال قد لا يكون بوسع أهلهم شراء هدية واحدة لهم في هذا العيد. قد لا يحصلون على ثياب جديدة، وربما ما من شجرة وأنوار في منزلهم. وقد لا يتمكنون حتّى من رؤية "بابا نويل" عن بعد. اليوم، سوف يطلّ عبر الشاشة آباء وأمهات لذرف الدمع وخنق الحنجرة. ستركّز الكاميرا على غرفة جلوس صغيرة ومطبخ ليس فيه "غسّالة". على عيون صغار تائهة النظرات. على ثيابهم "العادية". وربما الممزقة. سيكون احتفالٌ بالمساعدات التي ستتلقاها هذه العائلات، وتكون رسائل تحضّ على المساعدة والمحبة واظهار الانسانية.
"برافو". ليس أجمل من فعل الخير. لكن رجاء، لا تسلبوا هؤلاء الأطفال فرحتهم، ولا تحرموهم من تلك الرائحة. اتركوا لهم العيد...فمن قال انه هدايا وألعاب فقط؟!
أغلب الظنّ أنّ العيد صار عندهم وحسب فأتركوه لهم. أما الهدايا فلتكن صلوات من أجل صغار باتوا يحلمون بثياب ممزقة عوض الأجساد المهشمّة. من أجل نساء يرتضين العيش في منزل محطّم لكنه لا يعرف لغة العنف والقسوة. من أجل شعوب صار حلمها يُختصر بعيد يأتي قبل الإبادة. من أجل سلام يصارع الارهاب، ومن أجل انسان يحارب السلام...
ميلاد مجيد، فلنضع في القلوب...مغارة ونوراً!