اعتبر النائب فريد الياس الخازن، في كلمته في جلسة مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري، انه "مع هذه الحكومة والعهد الرئاسي الجديد، مرحلة غير معهودة تبدأ". وقال: "اكتمل النصاب التمثيلي، والانتقال تم من "جسر الشغور" الى جسر التلاقي والعبور نحو الانجاز والتطوير وستكون الحكومة "بروفا" في الاداء في ظل محاور غير مجربة. الثقة بالحكومة "منا وفينا". والعبرة في الممارسة والتنفيذ".
وأضاف: "لعقود خلت، سار العالم العربي، دولا ومجتمعات، في اتجاه، وفي لبنان كان المسار في الاتجاه المعاكس. اما اليوم، فالمحيط الاقليمي يسير في طريق ولبنان يسلك طريقا مغايرا للنمط السائد. في الحالة الاولى نقمة وفي الثانية نعمة. النيران مشتعلة على حدودنا ولبنان ملاذ آمن للآتين الينا من الحروب والويلات".
وتابع: "في العالم العربي، الهويات مشتتة والدول منهكة والدين في قبضة من هم الاكثر عنفا واستبدادا. اما في لبنان فالهوية لم تعد مصدرا للنزاعات، وهي في صلب الدستور وعلى تخومه. والدين له مكانة واحترام، سمته اعتدال مسؤول صقلته التجربة اللبنانية. الا ان الدولة في لبنان تبدو وكأنها بلا تجربة او سيرة ذاتية او تاريخ. وكأنها لم تكن قائمة الا لخدمة اصحاب النفوذ في الداخل والخارج، خدمة الجميع باستثناء مواطنيها، مصدر السلطات فيها وعلة وجودها. دولة وكأنها في طور التأسيس، ينخرها الهدر والفساد وانتهاك القوانين".
وقال: "دولة الرئيس، غالبا ما تستحضر العصرنة في الكلام الرائج حول قانون الانتخاب، بينما الدولة ومقوماتها البديهية اسيرة عصور ولت: عصر ما قبل اديسون، مخترع الطاقة الكهربائية، وما قبل ثورة الاتصالات، وما قبل انتفاضات الشعوب من اجل العدالة الاجتماعية، وما قبل الشرعة العالمية لحقوق الانسان. العصرنة مطلوبة في كل شيء باستثناء الموازنة والضمان الاجتماعي والتعليم العالي والقرار المطلوب لاستثمار الثروة النفطية، وباستثناء ايجاد الحلول لنفايات مرمية في الشوارع وكأنها مشكلة تخص الغير. نتعامل معها ومع ازماتنا الاخرى بالهبات الموسمية".
واشار الى "مقال معبر للصحافي الراحل ميشال ابو جوده في السبعينات مع قدوم فصل الشتاء عنوانه: لبنان بلد صيفي، ولا يزال. وفي تلك المرحلة سجلت الموازنة فائضا والدين العام كان تحت الصفر". وقال: "هنا نصل الى مسألة اساسية مرتبطة بالشأن العام، أي بكل ما له صلة بالدولة، وكأنه منفصل عن الناس. والمسؤولية تقع على الجميع في العام (أي الدولة) والخاص. كل شيء عام مباح: المال العام، النظام العام، المستشفى الحكومي، المدرسة الرسمية، الطريق العام، وطبعا البيئة التي تخص الجميع ولا حدود فاصلة لفضائها. العام لا يحترم الخاص والعكس صحيح. احترام الحيز العام ثقافة وسلوك تفرضهما الدول بقوانين يلتزم بها الناس بحرية واقتناع بان المصلحة الخاصة متلازمة مع مصلحة الدولة والمجتمع".
واكد الخازن ان "دولة القانون مطلوبة لتسيير شؤون الناس، لا لمعاقبتهم وابتزازهم. وهي الخطوة الاولى في مسار الحد من مساوئ الطائفية والانتماءات الضيقة. لبنان بلد التنوع، طوائف ومذاهب، وعصبيات، واليوم اكثر من اي وقت مضى. ولا يمكن جمع مواطنيه الا على قاعدة المساواة امام القانون وفي دولة تتقيد مؤسساتها بقوانينها. وهذا ممكن عندما يكون القضاء مستقلا عن اهل الحل والربط وعندما تصبح اجهزة الرقابة فاعلة فتكون قراراتها ملزمة للدولة واركانها".
واعلن ان "ثمة اجراءات اخرى ممكنة، منها المكننة والحكومة الالكترونية. وهذا امر متاح، ولا سيما ان للشفافية مردودا ايجابيا على الاقتصاد. الحكومة الالكترونية لا تؤثر في موازين القوى المحلية والاقليمية والدولية. الدولة، على هشاشتها، لا تزال عصب الحياة الاقتصادية: في التوظيف والقطاع الصحي والتعليم الرسمي والمشاريع الكبرى في البنى التحتية وسواها. فالمطلوب حمايتها لا تهشيمها. ونسجل للجيش والاجهزة الامنية انجازات نوعية في الامن الاستباقي. والاشادة بالانجازات تبقى ناقصة اذا لم توفر الدولة للمؤسسات العسكرية والامنية الامكانات المطلوبة للقيام بمهامها. نسأل الحكومة اين اصبحت الطائرات الروسية والهبة السعودية؟".
وتابع: "خمس مراحل طبعت مسار الدولة في لبنان: دولة التأسيس في زمن الانتداب، دولة الاستقلال المتلازم مع الميثاق الوطني، دولة اللادولة في سنوات الحرب، دولة الوصاية بعد انتهاءالحرب، ودولة ما بعد الحرب والوصاية بعد 2005. والآن دولة تستعيد مقوماتها في ظل ظروف مؤاتية بعدما انتفت الذرائع والمبررات وبلغنا سن الرشد، أو هكذا نأمل".
وقال: "المؤسسات اكتمل نصابها، والشراكة سمتها. الرئاسة الاولى لم تعد بدلا عن ضائع. ومحاولات افراغ الدولة من القرار انتهت، ومعها التبعية وعاداتها. خطاب قسم الرئيس العماد ميشال عون يشكل خارطة طريق، وهو "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن". ومن هذا الموقع فهو المولج بالانتظام العام بانفتاح ومرونة. ومع حكومة جمعت الاضداد في السياسة، يكتمل المشهد السياسي بواقعية واتزان. الرئيس فؤاد شهاب لم يبدل النظام السياسي بل كان القدوة على رأس هرم دولة تعطي الاكفأ والأنزه من كل طائفة فرصة وأملا".
اضاف: "ينفرد لبنان بميزات ثلاث في المحيط الاقليمي: ايجابيتان وسلبية. في لبنان عيش مشترك مجرب ومعاش بنجاحاته واخفاقاته، يجسد المشترك الايجابي بين الاديان والحضارات. انه عيش مشترك صنع في لبنان. وهو تلاق صعب وبحاجة الى صيانة دائمة، الا انه ممكن، وهو النموذج الحي الوحيد في الشرق والغرب في زمن التطرف والالغاء. وفي لبنان، ثانيا، الحريات مصانة، الفردية والجماعية، في الدستور وفي التقاليد والممارسة، رغم ما تعرضت له من انتهاكات. وفي لبنان كل شيء مكشوف ومعلوم، فما يقوله غيرنا في السر، يقال هنا في وضح النهار".
واشار الى ان ابرز السلبيات في لبنان: مخالفة القوانين بوقاحة واصرار. وقال: "القوانين تنتهك في اكثر الدول عراقة في الديمقراطية والانتظام العام. الا ان ما يحصل عندنا هدفه تعويد الناس ان مخالفة القوانين من "حواضر البيت"، مسألة طبيعية لا بد منها، جهرا وبلا رادع. حركة الاعتراض الشعبي التي شهدها لبنان اخيرا، وان لم تحقق اهدافها، فانها تعبر عن "قرف" شريحة واسعة من الشعب في الوطن والمهجر".
واكد ان "ما يمكن ان يجمع اللبنانيين، وان فرقتهم مسائل عديدة، هو الدولة، دولة القانون تحديدا. وهي الخطوة الاولى لتجاوز الطائفية او لتعطيل مفاعيلها السلبية، بفعل المساواة امام القانون. لا تكسر دوامة الطائفية الا باحترام القوانين، ولا تلغى بقرار أو بالابتزاز. الطائفية لم تأت من فراغ بل هي نتاج مسار تاريخي وتوازنات في ظل غياب دولة جامعة".
وأضاف: "في المحيط العربي، ألغيت الانتماءات الاولية بالقوة، ومنها الطائفية، وسرعان ما استعادت العصبيات الاكثر تشددا مواقعها بعد سقوط الدولة. التحدي يكمن في بناء دولة ديموقراطية تستمد شرعيتها من الناس والقانون بلا فرض او تزلف".
ورأى الخازن "ان النجم الساطع في الحركة السياسية الراهنة قانون الانتخاب". وقال: "في الشائع، المطلوب قانون يؤمن تمثيلا عادلا، وفي زمن العولمة، لا بد ان يكون القانون عصريا. ففي حين ان انظمة الاقتراع مرتبطة بعدالة التمثيل، فإن العصرنة تخص الموضة والفنون اكثر مما تخص قوانين الانتخاب"، مؤكدا "ان نظام الاقتراع النسبي هو بلا شك الاكثر تمثيلا. وبعد نقاشات مستفيضة لسنوات، بات للنسبية مكانة ثابتة في الطروحات المتداولة، وهي مقبولة في بعض الاوساط وغير مرفوضة بالكامل في اوساط اخرى".
وتابع: "وفي تجارب الدول الديموقراطية، ثمة منحى باتجاه اعتماد النسبية في انظمة الاقتراع الاكثري، ومنحى مغاير باتجاه الحد من النسبية في الدول التي اعتمدتها. فالمسألة غير محسومة، الا ان الجانب الاهم يرتبط بشرعية النظام الانتخابي بنظر الناخبين والمرشحين. والمثل الابرز في هذا المجال نظام الانتخاب الرئاسي في الولايات المتحدة حيث من الممكن ان ينتخب رئيس بأكثرية مندوبي الولايات وان لم ينل اكثرية اصوات الناخبين، مثلما حصل في الانتخابات الرئاسية الاخيرة".
واضاف: "وبالعودة الى لبنان، بات الكلام عن قانون الانتخاب اشبه بالمزاد العلني: شعارات فضفاضة لاهداف واهية، فيتم تظهير نظام الاقتراع وكأنه الدواء الشافي لكافة امراض الدولة والمجتمع. وبين الطروحات، برزت خلطة المختلط على قاعدة "قسمة الفرق بالنصف". وفي المعمعة ضاع الكلام عن الدوائر الانتخابية وعن الجوانب التقنية لنظام الاقتراع النسبي. واذا افترضنا ان قانون 2008، المدعو قانون الستين، بمثابة النيات الجرمية، فان التمديد جرم مشهود".
وأكد أن "المطلوب في نهاية المطاف قانون انتخاب بمعيار واحد، لا يزيد الفرقة، يراعي التمثيل الصحيح، بعيدا من الاستهداف. وفي كل الاحوال، مثل منسوب الى الرئيس بري: "يلي ربه كاتبلو الستين ما بموت بالاربعين"، ولا بالثمانين".
واشار الى ان "ثمة اصلاحات اخرى لا تقل اهمية بمعزل عن نظام الاقتراع والدوائر، ابرزها ضبط الانفاق الانتخابي. فاذا كان القانون مثاليا ويفتقر الى ضوابط قابلة للتنفيذ للحد من تأثير المال في العملية الانتخابية، نكون عندئذ امام افضل قانون لأسوأ انتخاب". واكد ان "لقوانين الانتخاب وظائف محددة، مستمدة من تجارب انظمة سياسية متنوعة في العالم. فالقانون بحد ذاته لا يغير المجتمعات والدول وانتماءات الناس. ولا يضع حدا للهدر والفساد ولا يوحد المجتمع المنقسم، ولا يمنع الحروب والازمات. لم تندلع حروب لبنان وتستمر سنوات، ولم تنته بسبب قانون الانتخاب. العملية الانتخابية لا تقل اهمية عن القانون، والسلطة التنفيذية هي المولجة ادارة شؤون الدولة والناس بمعزل عن قانون الانتخاب".
ورأى الخازن "ان الصراع على السلطة لن ينتهي. وهذا امر طبيعي في اي نظام ديمقراطي. فليكن صراعا من اجل دولة تحترم قوانينها ومن اجل حقوق الناس في عيش كريم وادارة يثق بها المواطن، صراع من اجل اقرار موازنة تمهيدا للخروج من دوامة الدين العام باتجاه عدالة اجتماعية، وتعامل جدي ومسؤول مع ثروات أوجدها الخالق في عمق بحرنا، فلا نزيده تلوثا، فنرمي فيه نفايات الفساد والاهمال بعدما تحول مكبا للنفايات".
واكد انه "لاستعادة الثقة، تضامنا وتأييدا للحكومة، لا بد اخيرا من كلمة موجزة حول اللامركزية الادارية الموعودة. المواقف من اللامركزية لا تزال في العموميات، الا ان الاشارة الى بعض المبادئ العامة قد يساهم في وضع الامور في نصابها"، مشددا على ان "اللامركزية في الحالة اللبنانية تفترض دولة مركزية فاعلة لجهة تقيدها بالقوانين، وهي تختلف عن اللاحصرية او الفدرالية، وهي ايضا مرتبطة بالانماء المتوازن وبقدرة الناس على المحاسبة في الشأن المحلي. واللامركزية لا تقتصر على اعادة تنظيم قانوني بل لها جوانب اقتصادية ومالية وادارية بالغة الاهمية. بايجاز، اذا كانت الدولة المركزية فاشلة فاللامركزية ستكون على صورتها ومثالها".
وختم: "ورشة عمل الحكومة في الدرجة الاولى اعادة ثقة الشعب بأن الدولة سلطة لخدمة الناس والخير العام، لا مشاعا مفتوحا للتناتش والتسيب. صحيح ان اشهرا قليلة تفصلنا عن الانتخابات، وهي مرحلة انتقالية ضاغطة، الا ان المبادرة ممكنة ومطلوبة في هذه المرحلة الجديدة فنضع المداميك الاولى لعمل مجد ومنتج للحكومة، رئيسا واعضاء. وكل عام وانتم بخير".