هم عمال فقراء، غرباء، دفعتهم أوضاعهم الإقتصادية الصعبة للمجيء إلى لبنان بحثاً وراء لقمة العيش لإيجاد حياة كريمة وشاءت ظروفهم الإجتماعية أن ينجبوا أطفالاً حالهم كحال سائر العائلات، وشيئاً فشيئاً انخرط هؤلاء الأطفال في المدارس لمتابعة تحصيلهم العلمي والذي يعتبر أبسط حق من حقوقهم الإنسانية.
لكن وبالرغم من شرعية تواجدهم على الأراضي اللبنانية وبشكل قانوني، إلا ان أخطر ما يواجهه الأطفال هو منعهم من تجديد إقامتهم وحرمانهم من متابعة دراستهم وفصلهم عن ذويهم وإبعادهم.
هذا الواقع الجديد والمرير في آن معاً، دفع مؤسسة "إنسان" مؤخراً إلى إطلاق تقريرها حول نتائج البحث الذي قامت به بعنوان "أحلام محطمة: أطفال الأجانب في لبنان"، وذلك في جامعة الحكمة - كلية الحقوق وبحضور ممثلين عن عدد من السفارات والبعثات الدبلوماسية، بالإضافة الى حشد من ممثلي المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية والإعلاميين.
البحث تطرّق إلى مسألة إقامة أطفال العمال الأجانب وانخراطهم في المدارس اللبنانية. كما عالج مدى تطابق القرارات والتعاميم والممارسات الإدارية الصادرة عن المديرية العامة للأمن العام ووزارة التربية مع القوانين الوضعية والمعايير الدولية الملزمة للبنان.
بستاني
عميد كلية الحقوق في جامعة الحكمة البروفسور مارون بستاني شدد على أهمية البحث بما يتعلق بحقوق الطفل. وأشار الى "حجم مشكلة رعاية جميع الأطفال على الأراضي اللبنانية لا سيما مشكلة تعليم أكثر من 400000 طفل سوري نازح ومدى صعوبة إستيعابها من قبل الإدارة اللبنانية منفردة".
حماتي
مسؤولة الأبحاث والمناصرة في مؤسسة "إنسان" رلى حماتي عرضت لأهم نتائج البحث والتوصيات وأبرزها تناقض هذه الإجراءات القاضية بعدم تجديد إقامات الأطفال الأجانب وحد انتسابهم الى المدارس الرسمية مع مبدأ النشر والتعليل في القوانين اللبنانية ومع أصول طرد الأجانب من الأراضي اللبنانية والواردة في قانون الأجانب. وشددت على تعارض هذه الممارسات مع عدد من الأسس والمعاهدات الدولية الملزمة (وأبرزها شرعة حقوق الإنسان، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والإجتماعية والثقافية، اتفاقية مناهضة التعذيب، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ومعاهدة حقوق الطفل) التي كرّست الحق في الحياة العائلية وعدم التمييز ومصلحة الطفل الفضلى وحق التعليم المجاني للجميع".
كنداراشيجي
بدورها، ممثلة العاملات الأجنبيات في لبنان مالاني كنداراشيجي أشارت «إلى أخطر ما يواجهه أطفال تلك العاملات لا سيما منعهم من تجديد إقامتهم وحرمانهم من متابعة دراستهم وفصلهم عن ذويهم وإبعادهم".
نصر الله
لمعرفة المزيد حول نتائج البحث الذي قامت به مؤسسة "إنسان" بعنوان "أحلام محطمة: أطفال الأجانب في لبنان"، التقت "اللواء" مدير "المؤسسة" شارل نصر الله الذي تحدث بكل إسهاب عن هذا الواقع، فكان الحوار الآتي:
بداية لو تعطينا لمحة عن أبرز ما تطرق إليه هذا البحث؟
- "هذا البحث يغطي مسألة حقوق هؤلاء الأطفال بالإنخراط في الصفوف التعليمية اللبنانية، وفي هذا الإطار نحن نتحدث عن أطفال في غالبيتهم ولدوا في لبنان ووضع أهلهم قانوني، انخرطوا في المدارس اللبنانية بشكل قانوني على مدى سنوات ومنهم من وصل إلى الجامعات اللبنانية وفجأة الأمن العام اللبناني ووزارة التربية اللبنانية يأخذان القرار بإبعاد هؤلاء الأطفال والسبب الوحيد أن أهل هؤلاء الأولاد لم يأتوا إلى لبنان كي ينجبوا الأولاد، بل أتوا للعمل فقط في لبنان؟!
هذا التصرف بنظرنا هو تصرف غير مسؤول سواء من قبل السلطة السياسية أو الإدارية وهو يدل على مدى تدهور وضع حقوق الإنسان في لبنان للأسف.
وهذا يشير إلى أنه عندما تعجز الدولة عن فرض سلطتها على القوي فهي مع الأسف تستقوي على الضعيف، هذه الفئة التي نتحدث عنها اليوم من غير الممكن أن يعيد ترحيلها بأي شكل قانوني في لبنان لأن القانون اللبناني يقول: "يحق للأمن العام بإبعاد من يشكّل خطرا قوميا على لبنان" ونحن لا نرى بأن هؤلاء الأطفال يشكلون أي خطرا قوميا على لبنان في ظل كل هذه العواصف التي تعصف به من الجنوب والشمال... وكافة المناطق الحدودية.
وفي المقابل، في ظل كل المخاطر المتعلقة بالإعتداءات الأمنية التي يتعرّض لها الشعب اللبناني، ألم يجد الأمن العام اللبناني أي إجراء لحفظ الأمن سوى إبعاد هؤلاء الأطفال الذين ليس لهم أي ذنب أو مسؤولية في الوضع الأمني الحالي في البلد؟!".
عددهم بالآلاف
هل من إحصاء معيّن لعدد هؤلاء الأطفال؟
- "للأسف لم نتمكن من الإستحصال على أي رقم رسمي لا من وزارة التربية ولا من وزارة الداخلية أو من المديرية العامة للأمن العام لكننا نقدّر عددهم بالآلاف.نحن نتابع الموضوع منذ 17 عاما والإحصاءات الأولية تتكلم عن بضعة آلاف من هؤلاء الأطفال".
وسط هذا الواقع، هل أجريتم إتصالات مع الوزارات المعنية؟
- "حاولنا عدة مرات من خلال توجيه كتب إلى كل من وزارة التربية والمديرية العامة للأمن العام لاستيضاح الدافع الحقيقي وراء هذه القرارات التي أدت إلى إبعاد هؤلاء الأطفال، ولا سيما أن هذه الفئة من الجانب هي فئة قانونية والأمن العام اللبناني كان باستطاعته معرفة كل ما يتعلق بها.
مع الأسف لم نتمكن من معرفة الحكمة من وراء هكذا قرار كما أننا لم نحصل على أية إجابة واضحة. استطعنا الحصول من وزارة التربية اللبنانية بطرق مختلفة على بعض القرارات الإدارية الصادرة عن الوزير أو مدير عام التربية، وقد تضمنها البحث حيث يختم القرار بأنه يجب إنتظار قرار لاحق كي يتم إيضاح المسألة.
أما من ناحية الأمن العام وقبل طباعة وإصدار هذا التقرير فقد وجّهنا أكثر من مرة مجموعة أسئلة للمديرية بشكل شفهي وبشكل خطي كي نتمكن من تضمين تقريرنا لإجابة أو توضيح من قبل الأمن العام لكننا حتى اللحظة لم نحصل على أية إجابة غير مرة واحدة وبشكل غير رسمي حين صرح أحد المسؤولين في الأمن العام أن هؤلاء لم يأتوا لإنجاب الأولاد وإنما للعمل في لبنان فقط؟!".
أطفال مجرّد ضحايا
كيف سيتم تفعيل الخطوات على الأرض؟
- حاليا، نحن ننسق بشكل جيد مع إدارة مستحدثة حديثا في الأمن العام للتواصل مع جمعيات المجتمع الأهلي، نتمنى أن نتوصل إلى دفع الأمن العام إلى تغيير هذا القرار أو على الأقل عدم تنفيذه بشكل أوتوماتيكي كما يحصل مؤخرا.وفي هذه الأثناء نحاول قدر الإمكان أن نكون إلى جانب هذه العائلات والأطفال الذين هم مجرد ضحايا.
وهنا يهمني أن أؤكد بأن مؤسسة "إنسان" لا تريد أن تكون قطعيا في صف المتهجمين أو الذين يشنون حملة ما على الأمن العام ولا سيما في ظل الظروف الأمنية التي نعيشها. نحن إلى جانب كل شخص يدافع عن الإستقرار اللبناني ونحن من الأشخاص الذين نود أن نكون فاعلين في هذه القضية.
لكن في المقابل نرى أنه يجب على أجهزتنا أن تتمتع بالحس الإنساني والقانوني، لأن القرارات التي يصدرها اليوم الأمن العام بهذا الخصوص مناقضة تماما للقانون اللبناني. لذلك، نحن نطالب الأمن العام بأن يتخذ إجراءات عملية وسهلة جدا بعدم إبعاد هؤلاء الأطفال وعدم ختم مهلة المغادرة ولا سيما أنها أحيانا تسجل مدة 24 ساعة فقط للمغادرة!!
مغادرة خلال 48 ساعة
هل بدأ فعليا ترحيل عدد من هؤلاء الأولاد؟
"منذ نصف العام الماضي بدأ الأمن العام بعدم تجديد إقامات هؤلاء الأشخاص ومنحهم مهل قصيرة جدا للمغادرة، وقد استمرت هذه المسألة حتى بعد بداية السنة الدراسية، فمن تنتهي مثلا إقامته في كانون الثاني وذهب لتجديد إقامته وأولاده في المدارس كانوا يطلبون منه المغادرة خلال 48 ساعة أي يتوجب عليه أخذ أولاده من المدرسة وتوضيب أغراضه والمغادرة فورا، وهذا الأمر يتنافى تماما مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإتفاقية الدولية لحقوق الطفل... والذي قد وقّع عليهما لبنان.
كما أن هذا يتنافى مع الدستور اللبناني ومع القانون اللبناني الذي لا يعطي الحق للأمن العام اللبناني بإبعاد أي شخص إلا إذا كان يشكّل خطرا قوميا".
تنسيق واتصالات
هل أعلمتم وزير الداخلية بما يجري؟
- بالتأكيد، أعلمنا وزير الداخلية نهاد المشنوق بذلك، وإثر إعلامه على الفور أشار في إحدى المقالات التي صدرت في جريدة "لوريان لو جور" أنه ليس على علم بإبعاد هؤلاء الأطفال".
هل اتصلتم به مباشرة؟
- حاولنا تحديد موعد لكن حتى الساعة لم نتمكن من ذلك. أيضا نأمل لقاء مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم الذي ننتظر مع مجموعة من المنظمات الدولية والمنظمات المحلية إلى لقائه لمناقشة هذا الموضوع».
الأمن العام يستجيب
على اثر إطلاق مؤسسة "إنسان" تقريرها بعنوان "طفولة محطمة: أطفال الأجانب في لبنان" تجاوبت المديرية العامة للأمن العام وبادرت بوقف العمل بالاجراءات القاضية بعدم تجديد إقامات أطفال العمال الأجانب.
وعلمت مصادر مؤسسة "إنسان" ان الأمن العام سوف يعيد النظر بقرارات المغادرة الصادرة بحق أطفال العمال الأجانب المتضررين من الاجراءات السابقة.
ان الاجراءات الجديدة المعتمدة من قبل الأمن العام سوف تعيد لعدد كبير من الأطفال الأجانب المقيمين قانونيا في لبنان الحق بمتابعة دراستهم ضمن الأصول وتحت سقف القانون وهي تحول دون تفكيك مئات العائلات وبالتالي تضمن حق الطفل بالرعاية الأسرية المناسبة.
تود مؤسسة "إنسان" التعبير عن امتنانها للمديرية العامة للامن العام على قرارها الجديد وهي تؤيّد التعاون المستمر بين المديرية العامة للامن العام وفعاليات المجتمع المدني، وتؤكد على رغبتها بالتعاون مع المديرية بما فيه مصلحة حقوق الإنسان في لبنان.
(سمار الترك - اللواء)