لولا فسحة الأمن الاستباقي والوعي الاستثنائي للأجهزة الرسمية لكانت المجزرة محققة ليلاً في «الحمرا». فالشارع المكتظ على دارج عادته كل ليلة سبت كان بالأمس على موعد مع عملية إرهابية انتحارية وشيكة قرابة منتصف الليل لولا الإنجاز الأمني «المدوّي» الذي أحبط هذه العملية وأنقذ أرواح العشرات قبيل لحظات من تنفيذها داخل مقهى «كوستا»، حيث كشف مرجع أمني لـ«المستقبل» أنّ انتحارياً مزنّراً بحزام ناسف كان بصدد تفجير نفسه بين رواد المقهى لكنه سرعان ما وقع في قبضة العناصر الأمنية التي كانت تراقب تحركاته ونجحت في مباغتته وتوقيفه قبل أن يتمكن من اقتراف جريمته الإرهابية، موضحةً أنّ العملية الأمنية المشتركة التي نفذتها بنجاح باهر شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي ومخابرات الجيش أتت في
سياق الاستنفار الأمني المستمر منذ فترة لملاحقة الخلايا الإرهابية وشبكات الانتحاريين، وفي هذا الإطار كانت المعلومات الأمنية المسبقة التي توافرت لدى الأجهزة هي التي أتاحت كشف «انتحاري» الأمس، بحيث تمت مراقبته وتتبّع حركته بشكل لصيق وصولاً إلى الانقضاض والقبض عليه متلبّساً بحزامه الناسف.
وعلى الأثر، سارع رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري إلى توجيه التهنئة لكل من مخابرات الجيش وشعبة المعلومات على هذا الإنجاز النوعي الذي نجح في «إحباط عملية انتحارية وشيكة في شارع الحمراء في بيروت»، وأردف مضيفاً في تغريدة عبر «تويتر»: «وحدتنا تحمي الوطن والمواطنين». كذلك، أشاد وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بهذا النجاح الأمني قائلاً لـ«المستقبل»: «أهنّئ شعبة المعلومات ومخابرات الجيش على هذا الإنجاز الأمني المدوّي، وتحية دائمة لا تنتهي لكل منهما تقديراً للجهد الكبير اللذين يبذلانه في سبيل حفظ الأمن والأمان في بيروت وفي كل لبنان».
وبينما عُلم أنّ الإرهابي الذي تم إلقاء القبض عليه جرى نقله إلى إحدى المستشفيات لمعالجته من الكدمات والجروح التي أصيب بها أثناء عملية توقيفه بعدما اضطرت العناصر الأمنية إلى استخدام الشدة معه أثناء العملية خشية تمكنه من تفجير حزامه الناسف قبل تفكيكه، تضاربت الأنباء حول هوية الانتحاري ريثما تتضح الصورة أكثر خلال الساعات المقبلة من خلال التحقيقات الرسمية معه، سيما وأنّ معلومات متناقضة سرت ليلاً بهذا الشأن وتحدثت تارةً عن كونه لبنانياً وتارة عن كون الهوية اللبنانية التي وجدت في حوزته مزورة. علماً أنّ فرقة من مخابرات الجيش تولت ليلاً مداهمة منزل في صيدا يشتبه بأنّ الانتحاري الموقوف كان يقطنه وصادرت منه مقتنيات يُعتقد أنها تخصه.
.. وخطة لمكافحة الخطف
أمنياً أيضاً، ورغم أنّ المخطوف المحرّر سعد ريشا لم يكن الضحية الأولى من نوعها وربما لن يكون الأخير، لكن المؤكد أنّ قضية اختطاف هذا الرجل الثمانيني المريض نجحت في وضع ملف عصابات الخطف الخسيس مقابل فدية تحت مجهر الأولوية الوطنية بحثاً عن السبل الآيلة إلى استئصال هذه الآفة المستشرية في البقاع والمهددة لسلامة وسمعة أبنائه الطامحين إلى الانضواء تحت سيادة الدولة والتحرّر من قيد قطّاع الطرق ومرتزقة الخطف والسرقة المتغلغلين في بيئتهم الوطنية.
وبينما واكب الرؤساء الثلاثة تداعيات هذه القضية حتى بلوغها الخواتيم السعيدة بتحرير ريشا، أكد رئيس الحكومة في اتصال هاتفي مع عائلته «متابعته سير التحقيقات تمهيداً لملاحقة الخاطفين وإحالتهم إلى القضاء المختص»، بينما كشف وزير الداخلية مساءً لـ«المستقبل» عن الاتجاه نحو عقد جلسة لمجلس الدفاع الأعلى قريباً لدرس ومناقشة خطة أمنية لمكافحة عصابات الخطف. وإذ لفت إلى أنّ الحاجة باتت ملحة لوضع خطة شاملة لمعالجة هذا الملف، أوضح المشنوق أنه تشاور هاتفياً أمس مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس الحريري بهذا الخصوص وجرى الاتفاق على عقد جلسة للمجلس الأعلى للدفاع تكون مخصصة لدرس موضوع الخطف مقابل فدية وإعداد خطة أمنية محكمة لمكافحته تمهيداً لوضعها موضع التنفيذ، حسب ما جاء في صحيفة "المستقبل".