رأى عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» النائب السابق مصطفى علوش، أنه «بعد إحدى عشرة سنة على اغتيال رفيق الحريري تكشفت شيئاً فشيئاً أسباب هذا الاغتيال، الذي لم يكن مسألة معزولة بل كان محطة أساسية على طريق غزوة الولي الفقيه للدول العربية، الغزو الفارسي المتلبس عباءة التشيّع»، معتبراً أن «رفيق الحريري سقط شهيداً في مواجهة الغزو الفارسي». ودعا الى «الإلتفاف أكثر من كل يوم للحفاظ على إرث رفيق الحريري من خلال تياره»، مؤكداً أن «قاتل رفيق الحريري مستمر بمحاولته القبض على الشرعية السياسية من خلال السلطة ومن باب مجلس النواب بالذات عبر اختراع قوانين موجهة لمصلحته».
وقال علوش في ندوة حوارية نظّمتها منسقية طرابلس في تيار «المستقبل» لمناسبة مرور اثني عشر عاماً على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، في مقرّ المنسقية، وحضرها النائب سمير الجسر، نقيب المحامين الأسبق فهد المقدم، عضو جمعية الصناعيين عمر الحلاب، أعضاء المكتب السياسي، منسق عام طرابلس ناصر عدرة، أعضاء مكتب ومجلس المنسقية، وحشد من كوادر التيار: «ان قضية رفيق الحريري لا يمكن اختصارها بالعامل الإنساني فقط، ولا يمكن اختصار دور رفيق الحريري بأنه فاعل خير مع أن منطقه في السياسة كان ينطلق من فعل الخير. إن الأحداث التي تلت يوم 14 شباط 2005 وما يحدث حتى الآن تؤكد أن دور رفيق الحريري كان شديد الأهمية على المستوى الاستراتيجي المحلي والإقليمي، فلم يكن يعلم يوم أتى إلى عالم الشأن العام في لبنان، أن عدوه بدأ بترصده وأخذ يتحين الفرص ويخطط ويرسم في وكر من الأوكار ليقتله، لأن هذا العدو اعتبره يسعى إلى إنهاء دوره المبني على اليأس والحرب والفوضى، من خلال زرع الأمل والسلام والإستقرار».
أضاف: «فليعذرني من قد تخدشه عبارتي، فرفيق الحريري لم يكن دقيقاً عندما قال «ما حدا أكبر من بلدو»، فهو بالذات كان يعلم علم اليقين أن المهام التي كان يحملها على كتفيه المثقلين أكبر بكثير من بلده، ولكنه كان يعلم أن مصير بلده الصغير مرتبط بنجاح مهماته العابرة للحدود والقارات، فتحمل الوزر من أجل ناسه. وهو كان يعلم أن العدو يعتبر نفسه، وعن حق وقناعة، بأنه أكبر بكثير من بلده، وأنه جزء من مشروع أممي، لكن رفيق الحريري كان يظن أنه كان قادراً على إقناعه بالتضحية بمشاريع الموت والدمار النابعة من أسطورة، رأفة ورحمة ببلده الصغير المثقل بجراحه».
واعتبر أن «رفيق الحريري كان عائقاً لا بد من إزالته من الدرب لإكمال مشروع الدمار الأسطوري الذي لا يجرؤ عليه إلا المؤمنون بإله الحرب. ولا شيء يزعج آلهة الحرب أكثر من دعاة السلام والأمل والازدهار»، مؤكداً أن «حرب لبنان الأهلية لم تكن من صنع حزب الله، ولكن تلك الحرب هي من أوجدته، فاستمد طاقته من نارها وتنظيمه من فوضاها وصلابة عوده من الدم والدمار والأحزان والمآسي التي رافقتها. كان الحزب يراهن على استمرار الحرب وتعميم الفوضى ليبقى هو في النهاية بعد دمار كل شيء حوله. لذلك لم يكن من الغريب أن يكون من سعى الى إنهائها باتفاق الطائف عدواً منطقياً لهذا الحزب الذي أعلن مباشرة رفضه للاتفاق، لا لشيء إلا لأنه ينهي الحرب ويضع حدوداً لأحلامه بالبقاء بعد زوال الآخرين. ولم يكن مستغرباً أن يكون رفيق الحريري يومها خطا أولى خطواته نحو الخطر، فقد حرم حزب الله من نصر مبكر، أو على الأقل أخّر لحظة الانتصار».
وأشار الى أنه «كان من الممكن أن ينسحب رفيق الحريري يومها، ويعود لمشاريعه الشخصية وشركاته ويكدس المليارات بضمير مرتاح، لأنه أدى واجبه تجاه بلده، فساهم في وقف الحرب والدمار، كما أنه أعطى فرصة التخرج من الجامعات للآلاف من الشبان. لكن السلام في لبنان كان هشاً، وكان يحتاج الى التدعيم بالأمل والبناء ورفع الاقتصاد من قعر الهاوية وإعادة الكهرباء إلى البيوت ووصل المدن والقرى بالطرق، وكسر حلقة الأحقاد بالمصالحات والتسويات. كما أن المنطقة كانت تبدو أمام منعطف جديد عنوانه مؤتمر مدريد للسلام، وكان على رفيق الحريري أن يسابق الزمن للإعداد للمواجهة مع قدرات إسرائيل الهائلة في السلم بعد فشلنا الذريع في الحرب»، لافتاً الى أنه «كان على رفيق الحريري أن يسير ضمن حقل ألغام شديد التعقيد هو واقع لبنان المشتت بين المذاهب والطوائف واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، مضافاً إليه التداخل الخطير لنظام حافظ الأسد في كل مفاصل السياسة والأمن، إلى الدمار الهائل في كل شيء من بنية تحتية إلى إدارة وتربية وجيش وقوى أمن ونخب، كان عليه بناء الهيكل من جديد ووضع كل تمثال في مكانه، وهذا ما أقدم عليه بفرح وتفاؤل ومن دون خوف».
وتابع: «سار رفيق الحريري في حقل الألغام، ولكنه اعتبر في كل ذلك عدواً يجب مراقبته والحد من حرية تحركه من قبل القوتين المحتلتين للبنان. فحافظ الأسد كان مشككاً بمشاريع الانفتاح الاقتصادي الذي لا يمكن أن يكون ناجزاً من دون بعض الحرية السياسية، وتلك الحرية كانت تعني نهاية حتمية لحكم آل الأسد الابدي. أما حزب الله فقد كان يعتبر المعسكر الذي ينتمي إليه رفيق الحريري عدواً مطلقاً، أو شيطاناً أكبر. وعلى الرغم من أن رفيق الحريري أدرك مسبقاً عبثية وسائل الصراع التقليدي مع إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بالتقدير والاحترام والوفاء لمن يواجه إسرائيل بالوسائل التقليدية المرتكزة على التضحية بالذات. من هنا فقد حاول المستحيل لحماية ما سمّي المقاومة، وكان له دور أساسي في إصدار قرار دولي متوازن خلال حرب «عناقيد الغضب» سنة حمى فيه المدنيين من عشوائية الردود الإسرائيلية على أعمال المقاومة. حتى ذلك الجهد الجبار، وضعه نعيم قاسم في كتابه في خانة وزيري خارجية سوريا وإيران، ولم يذكر بالفضل شيئاً عن رفيق الحريري. بالطبع فمهما مارس بعض أعضاء الحزب التقية في السياسة، لكن المكنونات الحقيقية لأفرادها كانت تظهر واضحة في أدبياتهم الموروثة والمكتوبة».
وذكر بأن «دور رفيق الحريري تحول من المحلي إلى العالمي، عندما بدأت معالم ما سماه ملك الأردن بالهلال الشيعي بالظهور، وأصبح رأس حربة منظومة تحويل كبريات الدول السنية لتهدئة الغرب وكبح اندفاعاته، وإعادة تظهير صورة الإسلام المعتدل وضرورة التفاهم معه وتفهمه، بدل وضع مليار إنسان في خانة الأعداء»، معرباً عن اعتقاده أن «هذه المهمة بالذات هي التي وضعت رفيق الحريري على خط لائحة الإعدام لمجرد كونه عائقاً أمام أحلام إمبراطورية افتراضية اسمها ولاية الفقيه. فمن الناحية المحلية شكّل رفيق الحريري عقبة صعبة لا يمكن إزاحتها إلا بتفجيرها، وعلى المستوى الإقليمي القريب، وبالذات السوري، فقد كان مثلاً لزعامة سنية يمكن الاعتداد والتمثل بها والبناء عليها وعلى مثالها كبديل لمنظومات التخلف والشمولية. أما على المستوى الدولي، فقد شكل رفيق الحريري العقدة الكبرى لما راكم حوله من احترام وصداقات مع قيادات عالمية وازنة».
وقال: «مع بشار الأسد عادت فرصة استهداف رفيق الحريري لتلوح في الأفق من قبل مشروع ولاية الفقيه، ومع احتلال العراق من قبل الجيش الأميركي، تفاقم رعب بشار من أن يكون دوره آتياً، وأصبح مقتنعاً بأن رفيق الحريري جزءٌ من مؤامرة دولية عليه. تسارعت الأمور عشية نهاية ولاية إميل لحود، وباءت بالفشل كل محاولات ثني بشار عن فرض التمديد، وصدر القرار الأممي الشهير الذي دان التدخل الخطير للنظام السوري في المسار الديموقراطي في لبنان مطالباً بانسحاب قواته ونزع السلاح غير الشرعي بكل أشكاله. هنا وضع رفيق الحريري على رأس قائمة الإتهام من قبل نظام بشار الأسد وحزب الله معاً، على أساس فرضية أن صداقات الحريري الدولية، وبالأخص مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك ساهمت في إصدار هذا القرار. في تلك اللحظة بدأ التحضير العملي لعملية الإغتيال حسب المعطيات التي ظهرت في المحكمة الدولية، وبدأ نشاط شبكة الإتصالات الشهيرة التي أسست لاتهام خمسة من كوادر حزب الله حتى الآن، بتنفيذ العملية».
ورأى أنه «بعد إحدى عشرة سنة على اغتيال رفيق الحريري تكشفت شيئاً فشيئاً أسباب اغتياله، لم يكن اغتياله مسألة معزولة بل كان محطة أساسية على طريق غزوة الولي الفقيه للدول العربية، الغزو الفارسي المتلبس عباءة التشيّع. رفيق الحريري سقط شهيداً في مواجهة الغزو الفارسي»، متسائلاً «كيف نواجه المشروع اليوم إذن؟ علينا الإلتفاف أكثر من كل يوم للحفاظ على إرث رفيق الحريري من خلال تياره. إن قاتل رفيق الحريري مستمر بمحاولته القبض على الشرعية السياسية من خلال السلطة ومن باب مجلس النواب بالذات عبر اختراع قوانين موجهة لمصلحته، واليوم علينا التحضير للمواجهة من خلال الإلتفاف حول قيادة التيار وتوجهاتها»، حسب ما ذكرت صحيفة "المستقبل".